مدرس جامعة.. يا عيني يا ابني!

/ 03-02-2017

مدرس جامعة.. يا عيني يا ابني!

يستخدم البعض معايير علمية متنوعة للتفريق بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة من أهمها إحصائيات نسبة إنفاق كل دولة على البحث العلمي، والموقع الذي تحتله جامعات الدولة ضمن أهم الجامعات في العالم، ولأن الأرقام خادعة ومتغيرة، أستخدم عن نفسي معياراً أكثر دقة، هو رد الفعل التلقائي الذي تصدره أي أم في دولة ما على عريس يتقدم لخطبة ابنتها، عندما تعرف أنه يعمل مدرساً جامعياً، فإذا قالت الأم بفرحة “يا سلام” أو ما شابهها من تعبيرات الفرحة والحبور، تكون تلك الدولة متقدمة أو في طريقها للتقدم يوماً ما، أما إذا قالت الأم بعد خبطة على صدرها “يا عيني على بختك يابنتي” أو ما شابهها من تعبيرات الحزن والأسى، تكون تلك الدولة متخلفة بالثلث وفي طريقها للمزيد من التخلف.

لي صديق يعمل مدرساً جامعياً بجامعة حكومية صادف الأهوال خلال رحلته للبحث عن عروسة، ما بين أسرة ترفضه بوقاحة لأنه “ما تزعلش مني في الآخر أنت موظف حكومة”، وما بين أسرة ترفضه بشياكة لأن “شغلانته لم يعد لها مستقبل الأيام دي” كما علم حين حاول بإلحاح معرفة السبب الحقيقي لرفضه، وما بين أسرة ترضى به على مضض مشترطة لإتمام الزواج أن يحصل على عقد عمل في الخليج لكي لا “يمرمط بنتهم معاه”، وما بين أسرة ترحب به بعد طول عناء، فقط لأن أبو العروسة “دكتور جامعي” لا زال متعصباً للمهنة التي راحت أيام عزها. صديقي الذي تزوج متأخراً عن كل أبناء دفعتنا ينوي أن يوثق حكاياته في البحث عن عروسة ترضى بمهنته في كتاب، على أمل أن يتم تحويل الكتاب إلى مسلسل ويحصل من حقوقه على أموال تعينه على المعيشة، لتكون نيته تلك حكاية جديدة دالة في حد ذاتها على رحلة هبوط مهنة المدرس الجامعي في السلم الإجتماعي المظلم، في بلد لم تدرك بعد أن الأمل في إصلاح أحوالها لن يخرج من أي مكان آخر غير الجامعة.

في استطلاع شديد الأهمية أجراته  الفنار للإعلام المتخصصة في شؤون التعليم وشجونه عن أجور أساتذة الجامعات الحكومية في 12 دولة عربية حيث يحصل أغلب الشباب على تعليمهم في تلك الجامعات، تتحول معاناة صديقي إلى حقيقة موثقة بالأرقام المؤسفة التي تكشف عن احتلال مصر لمرتبة متأخرة في سلم الدول العربية التي تدفع أجوراً عادلة لأساتذة جامعاتها الحكومية. فبرغم أن حكومات ما بعد ثورة يناير نجحت قبل عام في رفع أجور أستاذة الجامعات لتصل في أقصاها إلى ما يعادل 1014 دولاراً شهرياً (حوالي 13 ألف دولاراً سنوياً)، وهو رقم لا يؤهل حائزه لو اعتمد عليه فقط أن يقترب من الحد الأدنى اللازم لتخطي مستوى الطبقة المتوسطة، وبرغم الإرتفاع الأخير في الرقم مقارنة بعهد مبارك، لكنه يظل مخجلاً إذا قارنته، لن أقول بمرتبات الأساتذة في دول الخليج، بل بمرتبات أساتذة تونس والعراق والأردن، والأخيرة يقارب أجر الأستاذ الجامعي فيها 60 ألف دولاراً سنوياً، وربما يفسر ذلك تقدم التعليم الجامعي فيها مقارنة بكثير من الدول العربية التي سبقتها بسنوات طويلة في ريادة مجال التعليم الجامعي، في حين يترواح أجر الأستاذ اللبناني ما بين 30 ألف دولار إلى 90 ألف دولار، وهو رقم يظل أقل من الإمارات التي تتراوح أجور أساتذة الجامعات فيها بين 41 ألف دولاراً إلى 176 ألف دولاراً سنوياً.

ليس عجيباً في ظل أرقام كهذه ما يذكره استبيان الفنار للإعلام نقلاً عن مركز ضمان الجودة بجامعة القاهرة عن تغيب حوالي ألفي عضو هيئة تدريس في جامعة القاهرة من أصل 10 آلاف و323 ومن المرجح أن أغلبهم يعملون في الخليج حيث يكسبون حوالي خمس أضعاف ما  يحصلون عليه في مصر. في حين تلاحظ  الفنارللإعلام  أنه في حين تمت زيادة أجور الأساتذة المصريين فإن ذلك لم يطبق ضمن سياسة تجعل رفع الأجور كوسيلة ضغط للمطالبة بأداء أفضل، حيث كان من الممكن أن يُحرم من الزيادة الأساتذة الذين يتغيبون عن الصفوف الدراسية أو يتأخرون عنها أو يجبرون طلابهم على دفع رسوم الدروس الخصوصية وشراء كتبهم الخاصة، في نفس الوقت الذي تقوم فيه الجامعة بدفع المزيد للأساتذة الذين يقومون بالتدريس أفضل ولساعات إضافية وينجزون بحوثاً أفضل.

مفارقات مؤلمة يرصدها فريق عمل الفنار في هذا الصدد عن هموم الطلبة وهموم الأساتذة، ففي حين يشكو طالب أدب انجليزي من أن أستاذه الذي يدرس في جامعة الأزهر الحكومية، يدرس أيضاً في الجامعة الأمريكية الخاصة التي تدفع له أفضل، ولذلك لا يحضر إلى الجامعة الحكومية إلا مرتين كل فصل دراسي، وهوما يضطر الطالب لدفع مقابل لحضور محاضرات أستاذه الذي يصفه بالتميز ولكن في الجامعة الأمريكية، في حين يشكو طالب هندسة من أن كل ما يهم أساتذته هو شراء الطلبة لكتبهم وجعلهم من ذلك شرطاً للنجاح في الإمتحان.

على الجانب الآخر، يشكو أستاذ تجارة من أنه لا يستطيع العيش معتمداً على دخله، ولذلك اضطر لفتح مكتب للمحاسبة لكي يصرف على مشاركته في المؤتمرات وتحسين إمكاناته الأكاديمية، في حين يعترف أستاذ جيولوجيا بأنه لا يمتلك هو وكثير من زملائه وقتاً للتواصل مع الطلاب بعد انتهاء اليوم الدراسي، بسبب انشغالهم في وظائف أخرى على رأسها العمل كمستشارين لشركات في القطاع الخاص.

لا أظنك محتاجاً لتذكيرك بأن الرد الحكومي الجاهز على أرقام محزنة ومفارقات مؤسفة كهذه، سيكون دائما بالحديث عن ضعف موارد الدولة وفقر ميزانيتها وقلة إمكانياتها، وهو رد لن تجده حاضراً إذا سألت مثلا عن ما يتم إنفاقه سنوياً على مرتبات كبار الضباط في وزارة الداخلية، أوعلى شراء القنابل المسيلة للدموع التي يتم ضرب طلبة الجامعات بها، أو على تمويل الإعلام الحكومي المرئي والمسموع والمقروء الذي سيتهمك بالخيانة والعمالة إذا وسعت نطاق تساؤلاتك لتشمل الحديث عن ميزانية الجهات السيادية والصناديق الخاصة ومن يطلق عليهم الكفاءات النادرة في جهاز الدولة، مقارنة بما يحصل عليه أساتذة الجامعات والعاملون في مراكز البحث العلمي، لذلك ليس عليك اتقاءاً لوجع الدماغ، إلا أن تكتفي بترديد الشعارات الحكومية التي تتحدث عن رسالة التعليم الجامعي العظيمة، حتى لو كانت كل الممارسات على الأرض تؤدي إلى دفع حاملي هذه الرسالة إلى تضييعها مع سبق الإصرار والترصد.

اطلع هنا على: “مسح  حول أجور أساتذة الجامعات الحكومية العربية

 * بلال فضل كاتب سيناريو وصحفي مصري.




رد واحداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محمد فراج:

    هذا الحديث فقط عن المسألة المادية، لكن من الناحية العلمية والبحثية لا يبدو الفرق واضحا بين الجامعات العربية، وإن تميز بعض الأساتذة هنا أو هناك. المستوى العام متشابه، والمخرجات متشابهة، والمشكلات التنظيمية متشابهة، وهذا ما يجعل لمواقع التعليم المفتوح المجاني مثل “ايد اكس” أو “كورسيرا” أو الموقع العربي “رواق” أهمية خاصة، سواء للطلاب أو للخريجين، بل حتى للأساتذة أنفسهم.


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام