العمل في الخليج: ليس كل ما يلمع ذهباً

/ 02-02-2017

العمل في الخليج: ليس كل ما يلمع ذهباً

تلهث دول الخليج الغنية سعياً وراء المزيد من الانتشار والحصول على أعلى المراكز ضمن تصنيفات التعليم العالي العالمية واستقطاب الكفاءات الأكاديمية الدولية من خلال تقديم أجور ومزايا تُعرف بكونها سخية. إلا أن هذه السمعة، كما يتبين، لا تبدو دائماً في محلها.

ومع ذلك، يبقى التوجه للعمل في الخليج هو الحل الأكثر شيوعاً لدى الكثير من الأكاديميين العرب حيث تعتبر مهنة التدريس في بلادهم غير مربحة.

يقول أكرم خليقة، أستاذ الآداب الإنجليزية السابق بجامعة منوبة بتونس “يتم إخلاء أقسام اللغة الإنجليزية في تونس من مدرسيها وأساتذتها لأن معظمهم قد توجه لدول الخليج، حيث تصل الرواتب لأربعة أو خمسة أضعاف الرواتب بالوطن”.

يقول الخبراء إن الأساتذة الأكاديميين من الدول الأجنبية يشكلون أغلبية أساتذة الجامعات في دول الخليج، بالرغم من أن بعضهم يخشى تبعات العمل هناك.

بدوره، يقول أحد الأساتذة في جامعة الأردن “رحل بالفعل كل من سنحت له فرصة الرحيل”.

يقول أحد المستشارين المتخصصين في مجال التعليم في الخليج “لا يمكن القول حتى الآن أن دول الخليج من المناطق الجاذبة للأجانب، إذ يخشى الأساتذة الجامعيون الخروج من مسارهم الأكاديمي التقليدي عند قدومهم للشرق الأوسط، كتغيير المسار المهني من مساعد مدرس إلى أستاذ مساعد وما إلى ذلك”. وأضاف أن أغلب الأكاديميين في الدول التي يحصل فيها الأساتذة على منصب أكاديمي ثابت مثل الولايات المتحدة الأمريكية، لا يفضلون الانتقال للعمل في دول أخرى، حتى لا يُحرموا من فرصة الحصول على تلك الدرجة الوظيفية في بلادهم.

ولكن لا تزال هناك إغراءات مالية واضحة للعمل الخليج، وأهمها الأجور المعفاة من الضرائب، والتي تجذب الأساتذة العرب والأجانب على حد سواء لدول مثل السعودية وقطر.

ويقول المستشار “في دول الخليج أو على الأقل في قطر تضاهي الأجور في أرقى الجامعات الغربية من جامعات إيفي ليغ ( رابطة اللبلاب) والأقل منها. كما تعد قطر من أفضل الدول التي تشجع على العمل في مجال البحوث”. وقد تم مؤخرًا الإعلان عن صندوق جديد للأبحاث يشمل تمويل أبحاث الطلاب.

كما تهتم بعض الدول الخليجية مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بدعم أبحاث الأكاديميين، على الرغم من اعتراض الباحثين على العوائق البيروقراطية التي يواجهونها عند طلب المعدات أو الحصول على التصاريح لحضور الاجتماعات الدولية.

ويتوجب على الأكاديميين الراغبين بالحصول على فرصة عمل في الخليج أن يدركوا بأنهم غالباً ما سيواجهون مفاوضيين واسعي الإطلاع والخبرة ولديهم إمكانية الوصول إلى المعايير الدولية. وكما هو شائع على نحو متزايد في أجزاء أخرى من العالم، تقوم المؤسسات الخليجية بجمع معلومات حول الموارد البشرية. إذ تشير إحدى الدراسات إلى أن رؤساء الجامعات في الخليج يحصلون على 460.000 دولاراً أمريكياً سنوياً من دون احتساب الفوائد الغير مالية الأخرى.

وإلى جانب الأجور المرتفعة والتي تضاهي الأجور في الدول الغربية، يحصل الأساتذة في دول الخليج على بدلات وعلاوات تُضاف إلى أجرهم الأساسي.

جامعة زايد (بيل سكوت)

جامعة زايد (بيل سكوت)

يشير إعلان عن وظيفة شاغرة في كلية الحوسبة وتكنولوجيا المعلومات في جامعة الملك عبد العزيز في جدة إلى نوعية الراتب الذي يتوقع أن يحصل عليه أكاديمي في المملكة العربية السعودية. إذ يصل أجر الأستاذ الجامعي إلى حوالي 2.430 دولارًا أمريكيًّا في الشهر، بالإضافة إلى مبلغ 134 دولارًا أمريكيًّا علاوة عن كل عام خبرة كأستاذ جامعي، وعلاوة خاصة حوالي 150 في المئة من أساسي الراتب سنويًّا، وبدل للانتقالات حوالي 160 دولارًا أمريكيًّا، وبدل للسكن 6.664 دولارًا أمريكيًّا سنويًّا، وبدل للأثاث يصرف مرة واحدة بمبلغ 3.333 دولارًا أمريكيًّا. بحيث يصل الأجر السنوي للأستاذ الجامعي الذي يتمتع بخبرة خمس سنوات إلى 80.940 دولارًا أمريكيًّا بالإضافة إلى مبلغ 8.584 دولارًا أمريكيًّا كبدل للسكن والانتقالات.

كما يحصل أساتذة الجامعة أو الأساتذة المساعدون الأجانب على تذاكر طيران لزيارة بلادهم، مع زوجاتهم واثنين من أبنائهم. وتشمل كل هذه المزايا أجازة مدفوعة الأجر لمدة ستين يومًا، بالإضافة إلى عشرة أيام أجازة في عيدَي المسلمين الفطر والأضحى. وعند نهاية الخدمة، يحصل الأستاذ الجامعي على مكافأة تقدر بأجر نصف شهر عن كل عام من خدمته في الخمس سنوات الأولى، ويزيد هذا المبلغ ليصل لما يعادل أجر شهر كامل عن كل عام من الخدمة بعد السنة السادسة.

تعوض كل هذه الحوافز أعضاء هيئة التدريس عن عدم وجود أجر ثابت وتشجعهم على البقاء لمدة أطول، وتجنب الجامعات دوران هيئة التدريس التي تؤدي لتكاليف إدارية والمصاريف وتوظيف باهظة.

وعلى الرغم من وجود كل هذه المزايا والأجور التنافسية، يقول الكثير من المقيمين في الخليج إن هذه المنطقة ليست بالسخاء المعروفة به. إذ تبدأ رحلة المعاناة فيها بصراعات مع وكالات التوظيف والتي تعد واحدة من الطرق السائدة التي يسلكها الأساتذة الجامعيون للعمل في الجامعات الخليجية.

تتذكر محاضرة في جامعة الملك عبد العزيز في جدة بالمملكة العربية السعودية، أنها وافقت على أجر معين قبل أن يتم تغييره لاحقاً وقبل فترة وجيزة من موعد مباشرتها العمل. تقول المحاضرة “بعد توقيع عقد بقيمة 3000 دولارًا أمريكيًّا في الشهر، تم إعلامنا أنا ومجموعة من المدرسين من جنوب إفريقيا أن الشركة تعتقد أن مبلغ 2500 دولاراً أمريكيًّا هو الأجر الأكثر ملاءمة”. وأضافت ” هددت بالعودة الى كندا إذا لم يتم دفع الأجر الكامل المتفق عليه”.

إلا أن الحظ لم يحالف زملاؤها. تقول المحاضرة “قيل لهم إن أجرهم الجديد سيكون 2.500 دولاراً أمريكيًّا فقط بصورة غير قابلة للتفاوض”. قرر الأساتذة الأربعة من جنوب أفريقيا الاستمرار في العمل وفق الشروط الجديدة والتي بدت لهم أفضل بكثير من سوق العمل في بلدهم.

في الإمارات، تختلف الأجور بحسب أي من المؤسسات الاتحادية الثلاث التي يعمل بها الأستاذ: جامعة الإمارات العربية المتحدة وجامعة زايد أو كليات التقنية العليا. يحصل الأساتذة الذين يقيمون في البلاد منذ فترة أطول على أجور أفضل من الأساتذة الذين توظفوا مؤخراً، حيث تم تخفيض ميزانيات التعليم الحكومي.

يقول مصدر حكومي إن ” الأجور تنافسية بالتأكيد على نطاق عالمي . أعتقد أن متوسط أجر الأستاذ في جامعة الإمارات العربية المتحدة أفضل من متوسط دخل أستاذ في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة، خصوصاً عندما تؤخذ الضرائب في الحسبان”.

وأشارت مصادر في دولة الإمارات إلى أن الأستاذ الذي يدرس باللغة العربية يتقاضى نحو 41000 دولاراً أمريكياً سنوياً، بينما يتقاضى أستاذ بدوام كامل في إحدى المؤسسات الاتحادية نحو 176.000 دولاراً أمريكياً سنوياً، علماً بأن هذه الأرقام تعود لبضع سنوات فائتة. وقدرت مؤسسة اتحادية أخرى متوسط تكلفة عضو هيئة التدريس بـ 109.000 دولاراً أمريكياً سنوياً متضمنة جميع الإجازات، والسكن، والفوائد الطبية، وتذاكر الطيران، وتعليم الأطفال.

في المقابل، يصف أحد الأكاديميين الذي عمل كأستاذ مساعد في إحدى الجامعات الحكومية في دولة الإمارات الأجر بأنه “ليس جيداً كما يعتقد الناس.” إذ كان راتبه في البداية 57000 دولاراً أمريكياً سنوياً، بالإضافة إلى بدلات السكن، والرسوم الدراسية ومصاريف السفر لعائلته. في حين يحصل من هم في رتبة تدريس أقل منه على نحو 40000 دولاراً أمريكياً.

بالنسبة له، فإن المؤهلات العالية لا تخلق اختلافات واضح، فيقول “حصل زميل لي ترك منصبه وجاء للعمل كأستاذ مشارك على أكثر من 20 في المئة زيادة عني. ومع ذلك تبدو الوظائف جذابة لكونها تخلو من الضرائب فضلاً عن نمط الحياة المريح”.

يعزز الأساتذة ذوو المهارات التقنية العاملون في الإمارات في كثير من الأحيان دخلهم بالعمل الاستشاري، على الرغم من أن ذلك غير مقبول رسمياً. فيمكن دفع عدة آلاف من الدولارات لأستاذ في الهندسة للسفر إلى اليمن لمراجعة مشاريع بناء أو لأستاذ في قطاع الأعمال للذهاب إلى المملكة العربية السعودية لتقديم ورشة عمل حول إدارة المشاريع.

وتختلف التصورات حول تكاليف المعيشة المريحة اختلافا كبيراً. إذ يتم دفع أجور للأساتذة الإماراتيين أكبر بكثير مما يتم دفعه للمغتربين. يشير جدول أجور في أحد الجامعات إلى حصول الإماراتيين على زيادة تقارب 20 في المئة عن ما يتقاضاه المغتربين. وبحسب الروايات المتناقلة، يحصل الأساتذة المواطنون على زيادة بمعدل مرتين أو ثلاث مرات مقارنة بنظرائهم الأجانب. يقول أحد الأساتذة الإماراتين ” في حال عدم وجود أطفال، فإن الأجرعلى ما يرام”.

يقول جون واتربوري، أستاذ العلوم السياسية العالمية في جامعة نيويورك في أبوظبي، والرئيس السابق للجامعة الأمريكية في بيروت ” الأكاديميون الإماراتيون نادرون جداً، لا يوجد الكثير منهم.” مضيفاً “هذه الوظائف ليست جذابة بالنسبة لهم، إذ يحصلون على أجور أفضل خارج الأوساط الأكاديمية”. وقدر واتربوري أن نحو 85 إلى 90 في المئة من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الإماراتية هم من المغتربين.

في نهاية المطاف، تختلف الجامعات في دول الخليج ووكالات التوظيف التي تخدمهم في أسلوب معاملة أعضاء هيئة التدريس. فأولئك الذين يرغبون بمسار وظيفي في الخليج سيبلون جيداً، بينما يدعو العاملون هناك للنظر إلى هذه الخطوة بعناية.




رد واحداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول نهلة جابر:

    يعاني العراق من مشكلة كبيرة وهي هجرة الكفاءات العلمية من جامعاتها …. والسبب هنا ليس العوز المالي ولكن الوضع الامني والاغتيالات الكبيرة التي طالت عدد كبير من الاساتذة في الجامعات فضلا عن عدد من الاطباء والطاقات العلمية

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام