fbpx


هرباً من حرب وحشية.. الطلاب السوريون يعثرون على فرص في ريف ولاية إلينوي

/ 08-06-2016

هرباً من حرب وحشية.. الطلاب السوريون يعثرون على فرص في ريف ولاية إلينوي

نُشرت هذه المقالة لأول مرة في  The Chronicle ويعاد نشرها هنا مترجمة بموجب اتفاق مع  الصحيفة وبموافقة من المؤلف.

في أوقات السلم، تستغرق رحلة الحافلة من حلب في سورية إلى بيروت في لبنان نحو سبع ساعات. ولكن في يوم من أيام شهر تموز/ يوليو والذي بدأت فيه مارييلا شاكر خطوتها الأولى في رحلتها من بلدها الذي يشهد اضطرابات إلى حقول الذرة في غرب إلينوي استغرقت الرحلة 17 ساعة.

 كانت الطرق الرئيسية لمدينة حلب مغلقة. ضل السائق الطريق بعد أن اضطر لسلك طريق غير مألوف، بحيث سارت الحافلة لساعات وسط مناطق طبيعية لم يسبق للأنسة شاكر، 23 عاماً، معرفتها سابقاً. على طول الطريق، تناوب الجنود على الصعود للحافلة للتدقيق على هويات الركاب. كان ذلك في شهر رمضان، شهر الصوم للمسلمين، وعلى الرغم من انتماء الأنسة شاكر لمسيحي الشرق الأرثوذكس، إلى أنها ولتجنب لفت الانتباه إليها، لم تجلب معها مياهاً أو طعاماً.

 كان وداعها سريعاً. بعد ساعات من انتظار الحافلة مع والدتها وشقيقها، فجأة وصلت الحافلة، وكان عليها أن تذهب. احتضنتهم وقبلتهم من دون أن تعرف متى يمكن أن تراهم مجدداً. حملت حقيبة واحدة تضم أغلى ماتملك: الكمان الذي طالما عزفت عليه لأكثر من تسع سنوات، والذي حصلت عليه كهدية من والدتها عند تخرجها من المعهد العربي للموسيقى ونيلها المرتبة الأولى. طوال الرحلة، أبقت الأنسة شاكر الحقيبة قريبة منها، حتى عندما أمرها جنودها بفتحها. اهتمامها شديد بالكمان، والذي سوف تتذكره لاحقاً، مثل الاهتمام بطفل.

 في الوقت الذي عصفت الحرب الأهلية ببلدها، أصرت الأنسة شاكر على مواصلة التدريب الموسيقي،  لإيجاد طريقة للخروج من سوريا. لشهورة عديدة، بقيت شقة أسرتها إلى حد كبير بدون كهرباء حيث شهدت حلب أسوأ قتال في الحرب. ومع ذلك، واصلت عزف وتعليم آلة الكمان. وطوال عام 2012، وخلال فصل الشتاء، قالت إنها قامت بجولات على العديد من المقاهي المحلية، والتي تمتلك مولدات كهربائية تؤمن وصولاً متقطعاً لشبكة الانترنت.

 في كانون الثاني/ يناير، اكتشفت الانسة شاكر كلية مونموث، وهي مؤسسة صغيرة للفنون الليبرالية تبعد 20 ميلاً إلى الشرق من نهر المسيسيبي، تقدم ثمانية منح دراسية على الأقل للسوريين. في أسبوع محموم واحد، قالت إنها ملئت جميع الوثائق اللازمة في حين تنقلت والدتها من مكان لمكان للحصول على نسخ مترجمة من الوثائق المطلوبة. بعد ثلاثة أسابيع، سمعت الفتاة الشابة بمفاجئة وراحة أنه قد تم قبولها.

(تصوير أدم جيرك)

(تصوير أدم جيرك)

 في سوريا، تبدو خيارات الطلاب الطموحين قاتمة. منذ بدء الحرب هناك، في عام 2011، قتل أكثر من 100.000 شخص، وهرب ملايين أكثر من ديارهم. التفجير الذي لحق بالجامعتان العريقتان هذا العام، في دمشق وحلب، أكد عدم استقرار التعليم العالي. في المقابل، برز اتحاد عالمي يضم أكثر من ستة وثلاثين كلية في العام الماضي لمساعدة الطلاب السوريين. تعد مونماوث واحدة من أحدث أعضائه.

 بالنسبة للأنسة شاكر، ذات العيون المعبرة والابتسامة السريعة، فإن تغطية تكاليف 40.000 دولار الخاصة بالرسوم  تمت عن طريق إلغاء للمصاريف ومنحة الفنون الجميلة من  الكلية، وبرعاية من مجموعة دولية للمسيحيين الأرثوذكس، وهبة من رجل أعمال سعودي تمت عن طريق منظمة مغتربين سوريين. بعد حصولها على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال في جامعة حلب قبل بضعة أشهر، تنخرط الآن كشابة في مونماوث، للحصول على شهادة البكالوريوس الثانية، في الموسيقى.

 بعد رحلة الحافلة الطويلة الحارة من حلب وبعد شهر في فلوريدا مع الأصدقاء الذين غادروا سوريا منذ أكثر من عام مضىي، حان الوقت للتوجه إلى الكلية الصغيرة التي تفحصتها على الانترنت لعدة أشهر.

 في 16 آب/ أغسطس، قالت إنها طارت إلى بيوريا بولاية إلينوي، حيث كان بانتظارها أحد طلاب مونماوث ليصطحبها إلى الحرم الجامعي، وهو مكان كثير التلال تتوزع فيه الأشجار الناضجة. بالرغم من حزنها لترك عائلتها في مدينة حلب، حيث تواصل القذائف تدمير حييهم، إلا أنها مع ذلك أحبت المباني المشيدة من الطوب ذات الأسطح الضارية. “هذا يمكن أن يكون البيت الثاني”، هكذا فكرت. “أشعر بالأمان هنا”.

( تصوير أدم جيرك)

( تصوير أدم جيرك)

 كان من المقرر أن يصل خلال الأيام القليلة المقبلة عشرون طالباً دولياً جديداً من ضمنهم 10 من أصل سوري. هنا سوف يحاولون استكمال دراستهم وحياتهم، في كلية صغيرة ذات جذور قديمة في أمريكا الوسطى.

 في أواخر العام الماضي، وفي لقاء شهري لكليات إلينوي، أدلت مسؤولة من معهد الينوي للتكنولوجيا بكلمة موجزة ولكن مؤثرة. كانت الجامعة تعمل حديثاً مع عدة منظمات لتقديم المنح الدراسية للطلاب السوريين. وقالت “من فضلكم. فكروا في المساعدة”.

 كان الوضع في سوريا وخيماً، ويتدهور كل يوم. إذ تتصاعد حدة الاشتباكات بين القوات الحكومية والجماعات المتمردة المعارضة لدكتاتورية الرئيس بشار الأسد فى جميع أنحاء البلاد. على الرغم من كون الجامعات، التي تسيطر عليها الحكومة، مازالت مفتوحة، إلا أن الكثير من الطلاب لم يتمكنوا من الاستمرار في حضور الدروس.

 كانت بريندا تولي تتابع الأخبار من سوريا، وخلال الاجتماع، استمعت عن كثب. “يمكننا أن نساعد” هكذا اعتقدت السيدة تولي، العميد المشارك للشؤون الأكاديمية في كلية مونماوث. وبسرعة، سعت لزيادة الالتحاق بالمدارس، فقد طلب  الرئيس منها مؤخراً زيادة عدد الطلاب الدوليين. وحيث أنها  كانت في زمالة فولبرايت في بلغاريا قبل عامين، فقد التقت بطلاب سوريين أعجبت بهم وتساءلت عن مصيرهم اليوم.

 بتقديم الفرص الممكنة للمسؤولين الأعلى، حصلت السيدة تولي على الضوء الاخضر. في رسالة بالبريد الالكتروني لمعهد التعليم الدولي، الذي كان يقود جهود الإغاثة، قالت إنها وضعت التزام مونماوث بتقديم المنح الدراسية من دون الرسوم الدراسية بشكل كامل لطالبين اثنين من ذوي الكفاءات العالية وإمكانية تغطية أكثر من نصف المصاريف الدراسية الكلية لعدد أكبر آخر. بحلول الربيع، بدأت الكلية بطلب التبرعات من الخريجين وغيرهم من المصادر.

 “كان جزء من مسؤوليتنا كمؤسسة مواطنة ضمن المجتمع العالمي إيجاد وسيلة لتعليم عدد محدود من الطلاب،” قال رئيس مونماوث، ماوري أ.ديتزلر في وقت لاحق. “نحن لا تملك الموارد اللازمة لتوفير التعليم لـ 100 طالب من سوريا، أو حتى  لـ50، ولكن لدينا القدرة على تعليم عشرة.”

( تصوير ادم جيرك)

( تصوير ادم جيرك)

 كان هذا وعداً كبيراً من الكلية التي تعتمد على الرسوم الدراسية، ولكن فقط خطوة صغيرة في تلبية الحاجة العامة. في الأشهر القليلة الأولى من البرنامج، أكمل أكثر من 5000 طالب سوري استبيان الجامعة على الانترنت للوصول الى قائمة المنحة الدراسية التابعة لها.

 انهمرت عشرات الرسائل على السيدة تولي من السوريين الراغبين في معرفة المزيد عن الكلية. وعدد قليل كتب لها من مخيمات اللاجئين. أجابت على أكثرهم – أكثر من 100 رسالة- لتخبرهم بكيفية التقدم شارحة ما تقوم المنح بتغطيته.

 كان أنس قرقوط، النحيف ذو الكلام المعسول، يتوق إلى فرصة كهذه. فقد كان يخطط للالتحاق في خريف عام 2012 بجامعة دمشق، ولكن في اليوم الذي من المفترض أن يتقدم فيه للجامعة، استغرق الوصول للجامعة وقتاً طويلاً، أكثر من ساعتين، مع العديد من نقاط التفتيش الأمنية على طول الطريق حيث تصطف الدبابات الحكومية حينها أدرك أنه لن يتمكن من الاستمرار. طوال فصلي الخريف وحتى أوائل عام 2013، مكث في المنزل، حيث يستمر هدير الطائرات واهتزاز النوافذ من ضغط الانفجارات القريبة.

 تعاني شبكة الانترنت في شقة عائلته من انقطاعات متكررة. في شباط /فبراير اكتشف معهد إلينوي للتكنولوجيا والمنح الدراسية الجزئية التي يقدمها، لكنه كان يدرك أن التعليم هناك سيكون مكلفاً للغاية. في رسالة بالبريد الالكتروني إلى التحالف من أجل الطلاب السوريين، أوضح كيف كان أمر إيجاد المال صعباً. فردت المستشارة، “هنالك خيارات أخرى”، وكانت مونماوث واحدة منها.

 أوقف السيد قرقوط بحثه وعلق أماله على كلية صغيرة في غرب الوسط الأمريكي. في أحد أيام شهر أذار/ مارس، قال إنه بقي مستيقظاً طوال الليل،  يحدث بريده الإلكتروني كل نصف ساعة، وهو على يقين من أن بعض الأخبار ستأتي. كان فارق التوقيت ثماني ساعات، في تمام الساعة 7 صباحاً، حيث كانت السماء قد بدأت تضئ، علم أن يوم العمل قد انتهى في ولاية ايلينوي. واعتقد أنه لن تصل أخبار اليوم.

في مدخل غرفة نومه، وعلى هاتفه الذكي، قام بتحديث بريده الالكتروني لمرة واحدة. ليجد رسالة من السيدة تولي. الكلمات الأولى فقط هي ما أثارت اهتمامه.  “مبروك.” هرع مرة أخرى إلى جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به لمشاهدة المرفقات، كان لديه رغبة في الصراخ “دخيل الله!” (يا إلهي!)، ولكن والداه وشقيقه كانوا لا يزالوا نائمين. سوف يلتحق بالكلية.

 بحلول منتصف الصيف، قبلت مونماوث عشرة سوريين لفصل الخريف – سبعة ذكور، وثلاث إناث – بالإضافة للمزيد من الطلبة  القادمون في الفصل الدراسي الشتوي. سارع الطلاب إلى تأمين التأشيرات؛ وُرفِض طلب  تأشيرة قرقوط أول مرة، ولكنه  تمكن من الحصول عليها أخيرا خلال الأسابيع الأخيرة قبل الدراسة .

 في الوقت نفسه، كانت السيدة تولي وزملاؤها يحضرون من أجل وصول الطلاب. قام المسؤولون بتعيين أسر مضيفة لاستضافة الطلاب لوجبات الطعام ، والترتيب لقاعة الطعام من أجل تقديم اللحم الحلال. تحولت بعض المساحات في قسم الدراسات الدينية لغرفة للصلاة. وتم وضع العلم السوري على المدخل الرئيسي لبيت الثقافات، منضماً بذلك لأعلام باقي الطلاب الدوليين في الكلية.

 سيصل بضعة طلاب سوريين مع أقاربهم، ولكن معظم الطلاب كانوا بمفردهم، حيث من المقرر أن يصلوا على مدار الساعة عبر الحافلات والقطارات والمطارات. كان لديهم الكثير من أسئلة اللحظات الأخيرة: ماذا ينبغي أن نحضر معنا؟ كيف يمكنني الوصول من شيكاغو إلى مونماوث؟ هل يمكنني دراسة  الفرنسية؟ عبر الفيسبوك تمكنوا من التواصل مع زملاء المستقبل، ونشر التعليقات على صفحة الكلية ” بعد 5 أشهر من التحضير، غدا سأكون في شيكاغو!” كتب أحدهم “متحمس جداً للقاءكم جميعا!”

 طار السيد قرقوط من بيروت إلى باريس لشيكاغو، على أمل أن لا يصاب بالغثيان ذلك أن كثيرين حذروه من مغبة ركوب الطائرة لأول مرة. كان اجتياز تفتيش جوازات السفر أكثر من محنة. سحبه الموظف لاستجواب جانبي إضافي، الأمر الذي أحزنه . “عمري 18عاماً فقط”، قال في وقت لاحق. “ما الذي قمت به في حياتي ليجعلني مشبوهاً؟ فقط جنسيتي السورية؟”

 أخيراً، وبعد ركوب حافلة في وقت متأخر من ليل لبيوريا، وصل إلى الحرم الجامعي حوالي الساعة الثانية صباحاً وأرسل رسالة سريعة عبر الفيسبوك إلى والديه، قام بترتيب فراشه مستخدماً الأغطية التي أحضرها معه من المنزل وخلد إلى النوم.

 بدأ باقي الطلاب الدوليين بالوصول تدريجياً. ولكن بعد بضعة أيام فقط من وصولهم وصلت أنباء مثيرة للقلق. قتلت الأسلحة الكيمائية مئات الأشخاص في منطقة شرق دمشق. التفاصيل لا تزال ترد، لكن الإشارات الأولى تشير إلى  تورط الحكومة السورية. وبحلول نهاية الأسبوع، كان هناك حديث عن المدمرات الأمريكية في البحر المتوسط وتوجيه صواريخ كروز نحو أهداف سورية.

 وفي الوقت نفسه، تعج مونماوث بشغف بدء العام الدراسي الجديد. بدأت الجمعيات النسائية والأخوية الترويج لأحداث الذروة، وبدأت موجة الحماس تشعل الحرم الجامعي . في اليوم الأول من بدء الفصول الدراسية، قال مسؤولون أميركيون إن ضربات عسكرية على سوريا يمكن أن تحدث في غضون ثلاثة أيام. تساءل السيد قرقوط، الذي كانت أسرته قد وصلت للتو بسلام إلى تركيا ، لماذا انتظر القادة الأمريكيين وقتا طويلاً للعمل. بينما أملت الأنسة شاكر، بدافع الخوف على عائلتها في حلب، أن لا تحدث الضربة.

 تعتبر مونماوث بلدة هادئة تضم نحو 9.400 شخص وتحيط بها الأراضي الزراعية. تبدو شهرتها محدودة: ولد فيها وايات إيرب، وعاش بها رونالد ريغان لفترة وجيزة عندما كان طفلاً. في كثير من الأحيان، تخترق الهواء صافرة عند مرور قطار مسرع على قضبان سانتا في ببرلنغتون الشمالية.

 بحلول منتصف أيلول/ سبتمبر، دخلت الحياة في الحرم الجامعي في إيقاع محدد. تشارك العديد من الرجال السوريين غرفهم. ينضم واحد إلى الجمعيات والأسر الجامعية الأخوية. أصبح السيد قرقوط  نائب رئيس النادي الدولي. كما أنه فاز في سباق الكلية لتسلق الحائط، وقام بتغيير صورة الملف الشخصي لصفحته على الفيس بوك لصورة له وهو يلوح بيده لأسفل من القمة. أصبحت الأنسة شاكر، عازفة الكمان الرئيسية في أوركسترا الحجرة الصغيرة لمونماوث.  أبدى الأساتذة الذين تساءلوا في وقت مبكر إذا كان الطلاب سيواجهون صعوبة في التكيف ارتياحاً لمعرفة أنه حتى الآن ليست هذه هي المشكلة.

 يناضل الطلاب، رغم ذلك، مع اللغة الإنجليزية. أصبح السيد قرقوط، الذي تعلم اللغة في المدرسة وعن طريق مشاهدة الأفلام الأميركية، زائراً دائماً لمركز الكتابة.  ففي وقت بعد الظهيرة في أحد الأيام، كان غارقاً مع أقرانه حول ورقة في علم النبات لمايكل بولان. وأثناء مراجعتها يدخل طالب سوري آخر ليأخذ مقعد بالقرب من النافذة. ويقول عن مدرسته الثانوية في أبوظبي، قال: “نحن لم نتحدث سابقاً عن أطروحة. إنها المرة الأولى التي أسمع بها بهذه الكلمة”.

  في غرفة النوم السيد قرقوط، يبقي صفحة برنامج ” ترجمة غوغل” مفتوحة على كمبيوتره المحمول. حيث تظهر الحروف الإنكليزية على لوحة المفاتيح أعلى العربية منها. يتنقل أنس بين اللغتين عشرات المرات خلال اليوم، يحاول بناء مفرداته: الواجهة البحرية، حيوان الزبابة، المتعصبين، رائعة، ويتشيتا ، ذرية، والتكلف.

وحيث يمضي العديد من السوريين أوقاتهم في  القراءة والكتابة وتحديد المهام، تحاول بترا كوبنغر، أستاذة الأنثروبولوجيا التي تتحدث العربية وعاشت لفترة في مصر، مساعدة الطلاب الأمريكيين في  مونماوث على  معرفة المزيد حول سوريا. ضمت محاضرتها “مقدمة في الفنون الليبرالية” طالبين اثنين سوريين، بهدف تكريس حصة تتحدث فيها عن هذا البلد.

 في صباح ذلك اليوم، استقر حوالي 15 من الطلاب الجدد في مقاعدهم. وبلكنة بلدها الأصلي ألمانيا، فتحت السيدة كوبنغر مجموعة من الوجبات الخفيفة التقليدية العربية: التمر، المعمول، قطع البسكويت مع التين ؛حلاوة، طحينة بالسمسم، مع الفستق. راقب بعض الطلاب هذه الأطعمة الغير مألوفة بعيون حذرة.

“ماذا تعرفون عن سوريا؟” سألت كوبنغر الطلبة في الفصل. ” هل تعرفون أي شئ؟”

 رفع طالب يده مقدماً قائمة سريعة. يستخدم بشار الأسد الأسلحة الكيمائية ضد الشعب السوري. بدأت الحرب الأهلية منذ عامين. وتحاول الولايات المتحدة أن تتدخل لوقفها.

استمع الطالبان السوريان بهدوء، في حين كتبت الأستاذة تعليقات زميلهما على السبورة  مستعرضة بسرعة تاريخ سورية مؤخراً، مؤكدة أن العنف اجتاح البلد منذ الربيع العربي.

 “عند هذه النقطة، إنها علامة استفهام”، تقول عن تدخل الولايات المتحدة. “لقد فر اثنان مليون سوري من البلاد،” قالت للصف، “وأكثر من خمسة ملايين نزحوا داخلياً. هذا يعني أن ربع السكان سوريا في حالة فرار في مكان ما.”

 سامر، وهو طالب سوري فضل عدم ذكر اسمه الأخير ، يستمع بجدية، وقد أسند ذقنه إلى يده، فيما كانت الاستاذة تسأل الصف عن البلدان الأخرى التي تدعم حكومة الأسد. أضاف طالب “روسيا وإيران و…”. “والصين”، يقول سامر بهدوء.

في سوريا، كان سامر قد أكمل سنة واحدة في جامعة حلب. عندما أصبح الوصول إلى هناك خطيراً جداً، قال إنه توقف عن الذهاب. سعت شقيقته وزوجها، الذين يعيشون في شيكاغو، العام الماضي لإخراجه من سوريا وتسجيله في الكلية.

 مازال سامر يشتاق للوطن “إنه لأمر مخز أن تغادر البلاد”، بحسب قوله. “عقلي هنا، وقلبي هناك.” بضعة أيام فقط بعد وصوله في مونماوث، غادر مجدداً إلى شيكاغو للانضمام إلى الاحتجاج ضد استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا. تظاهر على طول شارع ميشيغن مرتدياً تي شيرت أصفر عليه صورة لقناع الحماية من الغاز، ملوحاً بعلم الثلاث نجوم الخاص بالثورة السورية.

 لاشئ يماثل المظاهرات في مسقط رأسه، حمص “عاصمة الثورة” كما يقول  بفخر. هناك، التجمع بشكل علني محفوف بالمخاطر. “أنت تصرخ من قلبك”، كما يقول. يختلف الحال في  شيكاغو: “هذا الشعور ليس موجوداً هنا”.

 لمواكبة أحدث التطورات، يتابع صفحات الفيسبوك لحمص وجامعة حلب عشرات المرات في اليوم. أحيانا يتوقف التواصل مع  الأصدقاء. ينظر إلى هاتفه الجوال لينظر إلى تاريخ أخر دردشة مع صديقه إياد الذي شوهد آخر مرة في 11 أيار/ مايو. بعد بضعة أيام، يقول سامر أنه علم بأن صديقه قد قتل.

 الحياة في مونماوث مختلفة. في وقت لاحق من يوم الندوة حول سوريا، توجه سامر إلى الباحة الرملية من ملعب كرة القدم ليلعب الكرة الطائرة. بعد دقائق قليلة، قفز بسرعة  ليسقط إلى الخلف مسدداً الكرة فوق الشبكة.

 بعد المباراة، يخطط الطلاب لمفاجأة زميلهم بكعكة عيد ميلاد. إنهم يتدافعون ويضحكون في جو منعش من الهواء الرطب، يغوصون  في الرمال ومطاردة الكرة الطائرة أثناء تدحرجها لأسفل التل المظلم.

 قرب نهاية شهر  أيلول/ سبتمبر، تضع الأنسة  شاكر اللمسات الأخيرة على قطعة موسيقية تعتزم تأديتها لأول أداء مرة في الولايات المتحدة. عطلة نهاية الأسبوع الأسرية تقترب بسرعة، حيث ستقدم معزوفة منفردة خلال حفلة مساء السبت. مدير الأوركسترا، كارولين سودا، اختارت القطعة: “التغيرات المجرية.” التي أحبتها الأنسة شاكر فوراً، مشدودة للجمل التي تذكرها بالموسيقى العربية.

( تصوير أدم جيرك)

( تصوير أدم جيرك)

 تتمرن لخمس أو ست ساعات يومياً في قاعة أوستن، البيت ذو الواجهة البيضاء والذي يعتبر موطن لقسم الموسيقى في الكلية. ترى السوريين الأخريين في جميع أنحاء الحرم الجامعي، ولكن خلال الأسبوع يقتصر تواصلها الاجتماعي على أوقات تناول وجبات الطعام. “اذا كانوا يحتاجون لي، يمكنهم القدوم لقاعة أوستن،” قالت مازحة.  “أخطط لنقل أغراضي هناك.”

 مازال والدا الأنسة شاكر في حلب. تشعر باستمرار بالقلق عليهما، وعندما تفكر في المنزل يتراجع تركيزها.  الوضع هناك معقد جداً، وتشعر بالعجز عن تغييره. وعلى الرغم من  أن منعطفاً غير متوقع للدبلوماسية أوقف التدخل العسكري الأمريكي ، لا يزال القتال في سوريا مستمراً.

 هناك حضرت والدة الأنسة شاكر كل حفلاتها. ولكن هذه المرة مكالمة هاتفية ستكون كافية. في بعض الأيام تجري الأنسة شاكر عشرات المحاولات قبل التمكن من الاتصال بها. عندما تمكنت من ذلك في إحدى المرات، علمت أن قذيفة سقطت خارج البناء السكني الخاص بوالديها، مما  أسفر عن مقتل العديد من سكان الجوار.

قبل يوم من الحفل، لم يكن هناك أخبار سيئة. “أنا معك”، تقول الدتها. “نحن فخورون بك”.

( تصوير أدم جيرك)

( تصوير أدم جيرك)

 تفكر الأنسة شاكر ماذا ستعزف في الربيع، في أول حفل منفرد لها. أدائها سيساعدها في تحديد إلى أين ستذهب بعد مونماوث. جامعة كبيرة؟ صالة كبيرة؟  ترغب بتكريس نفسها لدراساتها في الولايات المتحدة حتى تتمكن من العزف بشكل احترافي، كما تقول، “حتى تصبح بلدي فخورة بي”.لكنها لاتعرف ماذا يخبئ لها المستقبل.

لا تبدو الحياة مستقرة لجميع السوريين في الوقت الراهن، كما تقول، وخطيرة خاصة بالنسبة للأقليات الدينية والفنانين. سيخبرها الوقت إذ كان بإمكانها العودة.

 يأتي عزفها المنفرد هذه الليلة في نهاية أداء مجموعة الغرفة. في نهاية عزفها، ابتسمت الأنسة شاكر ابتسامة واسعة، حيث قامت من مقعدها للتحية وتلقي التصفيق. وراء الكواليس، عانقت أستاذتها.

 كانت الأنسة شاكر قد أعطت هاتفها النقال إلى صديق يجلس مع الجمهور، على مقربة من المسرح. في تلك الليلة، قامت عازفة الكمان بتحميل فيديو سريع عن أدائها على الفيسبوك واليوتيوب، آملة أن يتمكن والديها من مشاهدته.




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام