تحولات السياسة التربوية الحادة تنعكس سلباً على الطلاب في قطر

/ 03-02-2017

تحولات السياسة التربوية الحادة تنعكس سلباً على الطلاب في قطر

أمضت قطر أكثر من عقد من الزمان في محاولة لتحسين مدارسها. إلا أن نتائج اختبارات الطلاب المسجلة لا تزال منخفضة حيث يمضون سنوات بعد إنهاء دراستهم الثانوية في برامج تأهيل قبل أن يتمكنوا من الالتحاق بالجامعة.  ويبدو أن تغييرات مفاجئة في بعض السياسيات الأساسية جزء من المشكلة.

 ففي عام 2001، كلفت قطر مؤسسة الأبحاث “راند” (RAND) غير الربحية بدراسة نظام التعليم في البلاد ووضع الإصلاحات. ومن بين الخيارات المقدمة من قبل المؤسسة، اختارت قطر نموذج ميثاق المدرسة، الذي يحقق لا مركزية لبيروقراطية التعليم في البلاد، والذي سمح بإنشاء نحو 170 مدرسة مستقلة. وضعت هذه المدارس تحت إدارة منفصلة من قبل المجلس الأعلى للتعليم وتم افتتاح أول مدرسة عام 2004.

 أملت “راند” في تحسين المناهج الدراسية في البلاد والتي وصفتها بـ”البالية” و”غير المنافسة”، والتي تركز على الحفظ عن ظهر قلب. كان من المفترض أن يقدم نموذج المدارس المستقلة تعليم من الدرجة الأولى يعتمد على منهج أكثر شمولا ومعايير ذات مرجعية محددة دوليا. يخضع الطلاب لاختبارات موحدة وطنية كل عام. وتُقاس جودة التعليم من خلال التقارير المدرسية عن الطلاب.

 ولكن بعد مرور 12 عاما، قال كثيرون إن قطر فشلت في إصلاح التعليم. كانت شبه الجزيرة خامس أسوأ دولة مسجلة في برنامج تقييم “بيزا” (PISA) لعام 2009 والخاص باختبارات الطلاب الدوليين. وفي تموز/يوليو ذكر المجلس الأعلى للتعليم أن أكثر من سبعة آلاف و300 طالب، أو ما يعادل 12.3 في المئة، في الصفوف من الرابع ابتدائي إلى الثاني ثانوي في المدارس المستقلة فشلوا في الامتحانات التحضيرية والثانوية.

 وكثيرا ما أعرب أولياء الأمور والطلاب عن استيائهم من المدارس في البلاد. ومن بين الشكاوى الشائعة: عدم وجود معلمين مؤهلين بما فيه الكفاية، وبوجه خاص رجال قطريين بما فيه الكفاية؛ المعلمون أيضا لا يعرفون كيف يؤدبون الطلاب المشاغبين. كما أن نوعية التعليم في المدارس المستقلة، حسب ما يقول الآباء، متخلفة عن المدارس الدولية والخاصة.

 يبدو أن قطر على استعداد لتنأى بنفسها عن الإصلاحات التي استوحتها من مؤسسة “راند”. إذ أن مؤسسة قطر لم تجدد عقدها مع المؤسسة في كانون الأول/ديسمبر الماضي، حسب ما أفادت أخبار الدوحة.

 وقالت مصادر في المجلس إن الامتحانات الوطنية تم تعليقها بعد النتائج الكارثية في تموز/يوليو. كما يبحث المجلس الآن عن التعليم في البلدان خارج بريطانيا وأميركا للإلهام، مثل اليابان وكوريا وهولندا.

 لكن بعض خبراء التعليم يرفضون إلقاء اللوم على “راند” لكون المسؤولين القطريين لم يعطوا وقتا كافيا للإصلاحات لتعمل. وقالت دراسة لجامعة قطر بعنوان “إصلاح التعليم في قطر: تجارب وتصورات مدراء المدارس والمعلمون وأولياء الأمور”، نشرتها المجلة الدولية للتعليم في آب/أغسطس الماضي وشملت استطلاعا ضم 18 مدرسة مستقلة،  إن مدراء المدارس والمعلمين وأولياء الأمور شاهدوا عموما الإصلاحات بشكل إيجابي. لكن المدراء اشتكوا من “التغييرات المستمرة والمفاجئة” من المجلس الأعلى للتعليم و”الاندفاع للحصول على نتائج”.

 وتقر مصادر في المجلس أن إصلاح المدارس يأخذ عادة بين 15 و20 سنة، وأن المسؤولين كانوا يتوقعون الكثير في وقت قصير جدا، وقاموا بالعديد من التغييرات غير المحسوبة.

 تولى زياد سعيد إدارة المدارس مستقلة للبنات بين عامي 2005 و2007. وقال إنه شهد تغييرات في اللحظات الأخيرة. إذ أرسل المجلس الأعلى للتعليم “رسالة تقول إنه كان من المفترض أن نبدأ تدريس العلوم العامة باللغة الإنكليزية في الصف العاشر، في حين أن الصفوف اللاحقة ستبقى كما هي”.

 ولكن قبل أسبوعين من بداية العام الدراسي، قال سعيد، حصلت المدرسة على رسالة تفيد بوجوب تعليم الصف الثاني ثانوي أيضا باللغة الإنكليزية. لم تكن لغة العديد من الطالبات تؤهلهم لذلك وسرعان ما قام الأهالي بإخراجهن من المدرسة.

 اللغة: مسألة خلافية

 في الواقع، كانت لغة التدريس مصدرا رئيسيا للخلاف في قطر. كجزء من عملية الإصلاح، صدرت تعليمات للمدارس المستقلة لتعليم العلوم والرياضيات باللغة الإنكليزية. ولكن إتقان العديد من المعلمين للغة الإنكليزية كان محدودا ولم يكونوا مستعدين لتدريس موضوعات معقدة بلغة أخرى غير العربية.

 نشر سعيد، وهو الآن أستاذ في قسم تكنولوجيا الهندسة في كلية شمال الأطلسي في قطر، بحثا عام 2013 الجاري حول الإصلاح وتعليم العلوم والرياضيات. حيث وجد أن عدد الطلاب الملتحقين في برامج العلوم والرياضيات في جامعة قطر انخفض بوضوح على مدى العقد الماضي، وقامت الجامعة بتعليق بعض البرامج العلمية نتيجة لتراجع اهتمام الطلاب بها. وقدر المعلمون في المدارس المستقلة الذين شملهم الاستطلاع إلى أن أقل من 20 في المئة من الطلاب يهتمون بالحصول على دروس متقدمة في الرياضيات والعلوم.

 كانت نتائج امتحانات الطلاب في العلوم والرياضيات ضعيفة أيضا. فقد أصدر المجلس الأعلى للتعليم تقريرا للعام الدراسي 2011-2012 جاء فيه أن أقل من 10 في المئة من نتائج معظم الصفوف تلبي معايير الرياضيات. وفي العلوم، 30 في المئة فقط من نتائج طلاب الصف الرابع تلبي معايير المناهج. وفي معظم الصفوف الأخرى، النتائج هي أقل من 10 أو 20 في المئة.

 وقال التقرير سعيد إن أحد أسباب تراجع الاهتمام في العلوم والرياضيات هو أن الكثير من المعلمين يعتمدون على الكتب المدرسية والمحاضرات. في حين يتم تنفيذ عدد قليل جدا من التدريب العملي على التجارب مع الطلاب، على الرغم من امتلاك المدارس للإمكانات.  مرة كمستشار كان يفترض أن ينظم مختبر للمدرسة. وقال إنه وجد غبارا على المعدات وأن الصناديق لم يتم فتحها لمدة 10 سنوات.

ويعمل المعلمون تحت ضغط إنهاء المناهج الطويلة ويخشون عدم تمكنهم من استكمال كل المناهج بما يمكن أن ينعكس على أداء الطلاب في الامتحانات. كما يركزون على متطلبات الاختبارات الوطنية. في المقابل، يحاول العديد من الطلاب اتقان المواد من خلال الحفظ وليس الفهم العميق.

 فرصة للتحسين؟

 يعتقد مراقبون أن تعليم العلوم والرياضيات تحسن أخيرا بعد أن قرر المجلس الأعلى للتعليم العودة للتدريس باللغة العربية للكثير من المقررات. وجاءت هذه الخطوة ردا على الانتقادات المحلية العنيفة والتي قالت إن قطر بدأت تفقد ثقافتها. وعادت المدارس المستقلة للتدريس باللغة العربية منذ أيلول/سبتمبر 2012، مع استثناء مادة يتعلم الطلاب من خلالها بعض المصطلحات الإنكليزية العلمية.

 سببت “اللغة الإنكليزية العلمية” الصداع، وفقا لمسؤول المجلس الأعلى للتعليم، وذلك لأن مدربي اللغة الإنكليزية الذين من المتوقع أن يقوموا بتدريس المواد لا يفهمون معنى هذه المصطلحات العلمية تماما.

 وقال سعيد إنه لم يؤيد التغيير الأخير لأنه فقط خلق المزيد من البلبلة للمدارس والطلاب الذين بدأوا بالتحسن في اللغة الإنكليزية. وقال إن الطلاب الذين ركزوا على اتقان اللغة الإنكليزية في العلوم أصبحوا الآن في وضع غير مؤات.

 أعرب مسؤولون آخرون في التعليم عن قلقهم من التقليل من أهمية اللغة الإنكليزية والذي من شأنه أن يضر بفرص حصول الطلاب على قبول في الجامعات العالمية. كما قد يؤدي ذلك إلى خلق مزيد من عدم المساواة بين هؤلاء الطلاب والطلاب الذين يذهبون إلى مدارس دولية مستقلة مكلفة، على حد تعبيرهم.

 “لا نزال نقبل طلاب من النظام التعليم القديم الذين ذهبوا إلى المدرسة الثانوية التي تعتمد اللغة  الإنكليزية”، قال تود كينت العميد المساعد للشؤون الأكاديمية في جامعة تكساس A&M في قطر، واحدة من ست جامعات أميركية في حرم المدينة التعليمية في الدوحة، مضيفا أن هذا لا يعني أن الطلاب في نظام المدرسة الثانوية الجديدة لا يمكن أن يجتازوه، لكنهم قد يحتاجون إلى مزيد من التدريب. وقال إنه يبقى أن نرى ما إذا كان التغيير سيضر بالالتحاق بالدراسة في جامعات المدينة التعليمية، حيث اللغة الإنكليزية هي اللغة السائدة للتعليم.

 تزامن التغيير في لغة التدريس في المدارس المستقلة مع قرارات حكومية جعلت التعليم في جامعة قطر باللغة العربية عموما.

 الآن تدرّس العلوم الإنسانية، العلوم الاجتماعية، التعليم والقانون في جامعة قطر باللغة العربية. في حين أن العلوم، الهندسة، الصيدلة والعلوم الرياضية لا تزال تدرّس باللغة الإنكليزية.

 في وقت صدور المرسوم، كان جامعة قطر تتعرض لانتقادات من قبل العديد الذين قالوا إن وضع طلابها غير مؤات. لكن متحدث باسم جامعة قطر قال إن القضية مختلفة: لا يزال هنالك اهتمام بتعلم اللغة الإنكليزية لجميع الطلاب. يدرّس عموما في الجامعة باللغة العربية لكن برامج القانون، إدارة الأعمال، وسائل الاتصال الجماهيري والشؤون الدولية لا تزال لديها مناهج بالإنكليزية. على سبيل المثال يستخدم طلاب إدارة الأعمال في السنوات الثالثة والرابعة الثالث الكتب المدرسية التي تمت كتابتها باللغة الإنكليزية، ومن المتوقع أن يقوموا بكتابة بعض البحوث بالإنكليزية. أيضا، يجب على جميع الطلاب إكمال ست ساعات من دورات اللغة الإنكليزية في أول فصلين دراسيين. كما يتم تدريس معظم برامج الدراسات العليا باللغة الإنكليزية أيضا.

 خفضت جامعة قطر من برنامج التأسيسي. قبل التغيير، كان البرنامج مطلوب لمعظم التخصصات الدراسية وكان الطلاب يستمرون في البرنامج حتى حصولهم على درجات مرتفعة في الاختبارات الدولية الموحدة للغة الإنكليزية والرياضيات. غالبا ما كان الطلاب يستغرقون عدة سنوات لاستكمال البرنامج. حاليا الخضوع للبرنامج التأسيسي مطلوب فقط من الطلاب الذين يتخصصون في المجالات التي يتم تدريسها باللغة الإنكليزية أساسا ويستمر لمدة عام واحد فقط.

 وقال سعيد إنه رغم عدم تقديره للتغييرات المفاجئة للمجلس، فإن التركيز على اللغة العربية لا ينبغي أن يضر بالفرص الأكاديمية لطلاب المدارس الثانوية، نظريا على الأقل.

 ولكن في الممارسة العملية، بدا أن طلاب المدارس التي تركز على اللغة العربية يتراجعون. وقال إنه في برنامج دبلوم اللغة الإنكليزية في كلية شمال الأطلسي في قطر، يبدو طلاب المدارس الباكستانية والهندية عموما أفضل في اللغة الإنكليزية، ونتيجة لذلك يتخرجون في الوقت المحدد. في حين أن طلاب المدارس العربية غالبا ما يبقون في الجامعات لفترة إضافية.

 ويدرس الطالب ناصر نعمة في جامعة فرجينيا كومنولث في قطر باللغة الإنكليزية، لكنه قال إنه يحترم اتجاه اللغة الجديد. بالنسبة له، ينبغي رعاية اللغة العربية وتدريسها لأنها هي اللغة الأم للطلاب: “إنها لغة القرآن والإسلام ولغة ثقافتنا”، مضيفا “من الغريب أن لا يتمكن الطلاب القطريين من الكتابة أو القراءة باللغة العربية بشكل صحيح”. وقال “أعتقد أن هذا أيضا يمكن أن يسهم في وجود أزمة هوية”، مضيفا “من المهم أن نضع قيمة لكل اللغات على قدم المساواة”.

 وقالت نور خليفة التميمي، طالبة سنة ثانية بجامعة نورث وسترن في قطر، رغم أنها كان من المفترض أن تتقن اللغة الانكليزية في مدرستها الثانوية المستقلة، إلا أن مدرسيها لم يكونوا يجيدون ذلك حيث كانوا يستخدمون اللغة العربية في كثير من الأحيان. هذه التجربة أجبرت التميمي على الخضوع لبرنامج تأهيلي قبل الالتحاق بالجامعة.

 “لا أتذكر كم كانت لغتي الإنكليزية سيئة عندما تخرجت من المدرسة الثانوية ولكن أتذكر أنني كنت أفضل واحدة بين زميلاتي اللواتي بالكاد يتحدثن الإنكليزية”، قالت في رسالة عبر البريد الإلكتروني. لم يهتم أساتذتها باللغة الإنكليزية حتى حان وقت الامتحان الوطني، عندما أعطيت لها قائمة من الكلمات التي قد تظهر في الاختبار “شعرت بالخيانة قليلا”، قالت التميمي.

 تعود اللغة العربية مجددا كلغة أساسية للمدارس المستقلة، إلا أن المسؤولين عن التعليم يعتقدون أن على الحكومة إجراء تعديلات إضافية.

 “إذا كان القرار في أن يكون لدينا تعليم ثانوي باللغة العربية، فإن هذا شيء عظيم”، قال إبراهيم النعيمي رئيس كلية المجتمع في قطر خلال مقابلة العام الماضي. وأضاف “لكن يمكننا أن نقدم برنامجا لدعم طلابنا في فترة ما بعد الظهر أو في المساء، للصفوف 10 و11 و12، حتى يتمكنوا من الذهاب إلى الكليات بصورة أكثر سهولة”. وقال إن الطلاب في كثير من الأحيان يذهبون لبرنامج التأهيل لمدة عامين، وأحيانا عندما يدرسون في الخارج يحتاجون لعام آخر. وأضاف “إنهم يضيّعون ثلاثة أعوام من حياتهم لتعويض ما لم يحصلوا عليه في المدارس”.

 بغض النظر عن قرارات إصلاح التعليم في المستقبل، قال الخبراء إنه ينبغي استشارة الطلاب والمعلمين.

 وقالت دراسة أجرتها جامعة قطر حول تصورات إصلاح التعليم “إن المعلمين هم المفتاح لإصلاح التعليم، والقيادة التي لا تشمل المعلمين في عملية التغيير مصيرها الفشل”.

 كذلك، قال تقرير لشركة “بوز أند كو” لعام 2013، بعنوان “الإصغاء لأصوات الطلاب”، إن “إشراك الطلاب هو أداة سياسة فعالة” وأن الطلاب يرغبون في المشاركة في إصلاح التعليم. يشار إلى أن ستة في المئة فقط ممن شملهم المسح في قطر ظنوا أن الطلاب أثروا على إصلاح التعليم.

 ربما نتيجة مشاعر “حرمانهم من المشاركة في الإصلاح”، قال نحو 21 في المئة من الذين شملهم الاستطلاع في قطر إنهم لا يثقون بالمسؤولين عن التعليم في بلادهم. كان المعلمون والطلاب واضحون في رغبتهم بالمشاركة  في الجيل المقبل من إصلاح التعليم.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام