بعد ثورتين.. الشباب المصري النشيط يستحق تعليما أفضل

/ 06-02-2017

بعد ثورتين.. الشباب المصري النشيط يستحق تعليما أفضل

تم نشر هذا المقال في صحيفة كرونيكل للتعليم العالي، ويعاد نشره هنا بحسب الاتفاق المبرم مع المجلة وموافقة الكاتب.

في ظل حكم (الرئيس السابق) حسني مبارك، عاشت مصر ركودا مدة ثلاثة عقود. وتعطلت البلاد في وقت كانت فيه دول أخرى تتقدم والعالم يتغير نحو الأفضل. تقلصت الفرص الاقتصادية، واستمرت فرص العمل بالشح لاسيما بالنسبة إلى 21.3 مليون شاب مصري. وارتفع معدل البطالة إلى 12.6 بالمئة عام 2012، وبلغ عدد العاطلين عن العمل بين الشباب الذين تراوحت أعمارهم بين 15 و29 مستوى قياسي وصل إلى 77.5 في المئة.

وماذا أكثر؟ المحظوظون بالحصول على وظيفة حكومية تم تعينهم في مناصب لا تتلاءم مع خبراتهم ولا مع متطلبات العمل. كانت الوظائف المتوفرة وسيلة بأيدي الذين يمتلكون علاقات للحصول على أجر من الحكومة.

تحت حكم مبارك، شهد التعليم والسعي وراء العلم والتكنولوجيا ركودا أيضا. إذ كانت ميزانيات التعليم العالي بالكاد تكفي للحفاظ على الكلية فوق خط الفقر. وفقا للبنك الدولي، فإن الإنفاق على البحث العلمي بلغ فقط 0.21 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2009 ، أي أقل بكثير من نظيره في الولايات المتحدة (2.9 في المئة). كانت المخصصات الضئيلة في مصر بالكاد تكفي لدفع الرواتب، وترك القليل لدعم المشاريع البحثية الفعلية أو المعدات. وواجهت الكليات ومؤسسات التعليم العالي مزيدا من تدني نوعية خريجي المدارس الثانوية. في الواقع، يعاني التعليم الابتدائي والثانوي أكثر من التعليم العالي بسبب الموارد الشحيحة، ازدحام المدارس، نقص تدريب المعلمين، تدني نوعية الكتب وغيرها من الوسائل التعليمية.

يدرك شباب مصر وجود هذه المطبات قبل أي شريحة أخرى من شرائح المجتمع. إذ أن ظهور شبكة الإنترنت جعلت من الممكن بالنسبة لهم رؤية ما يحدث في جميع أنحاء العالم.

اضطلعوا على التقدم الاقتصادي والاجتماعي لبلدان كبيرة مثل الصين والهند أو صغيرة مثل ماليزيا ورواندا. بدأوا يتفاعلون من خلال وسائل الاعلام الاجتماعية؛ وبدلا من التحسر على الأوضاع في بلادهم، وبدأوا بفعالية في المطالبة بالتغيير.

لقد نمت ثورة كانون الثاني/يناير2011 السلمية لكن العازمة، وحركة التمرد المصاحبة لها في من 30 حزيران/يونيو 2013، من هذا الإحباط. ذلك أنه وراء الهدف الأساسي من الحكم الديموقراطي، يطالب شباب مصر بقيادة مستنيرة. خلال مظاهراتهم، كانت الدعوات مستمرة إلى جعل التعليم يتماشى بصورة أفضل مع سوق العمل.

كان هدفهم الأساسي تحسين الاقتصاد ورفع مستوى المعيشة، لاسيما بين الفقراء في مصر. المطلب الآخر كان تحسين الخدمات الصحية ونظام التعليم، مع التركيز على التعليم العالي، المطلب الرئيسي لتحقيق فرص العمل والحراك الاجتماعي. ومع عودة الاستقرار إلى مصر ما من شك في أن التعليم العالي يجب أن يكون من بين المواضيع التي ستلقى اهتماما جديا.

خلال العام الماضي، وفي ظل حكم (الرئيس المعزول) محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، أصبحت الدلالات أكثر سوءا حتى بالمقارنة مع سنوات حكم مبارك. فقد تمت إقالة وزراء التربية والتعليم والتعليم العالي وكذلك رؤساء الجامعات بشكل جماعي. وتم تعيين أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين ومؤيديهم في أماكن هؤلاء بموجب مرسوم رئاسي من دون إيلاء الاهتمام االلازم للمؤهلات. ارتأى بعضهم أنه لا يجب مناقشة مواضيع علمية أو بحثها إذا هم اعتبروها ضد الإسلام أو الشريعة الإسلامية. إن ضخ التصورات والعوائق الدينية أمام الحرية الفكرية هزت مجتمع البحثيين من جذوره. واعتبر الكثير من الباحثين أن جهود مرسي كانت تشكل اعتداء على المعايير الأكاديمية المتعارف عليها دوليا.

علاوة على ذلك، أظهرت حكومة مرسي تحيزا واضحا ضد المرأة، وهو موقف يتعارض مع ما كانت عليه الأوضاع في مصر. حيث كانت المرأة المصرية تمنح دائما المساواة في الحقوق وتلقى كل احترام بوصفها عالمة أو مهندسة. أربعة من رفاق دراستي الجامعية الأولى في جامعة عين شمس قسم علوم طبقات الأرض كن من السيدات اللواتي حققن مناصب قيادية في هذا المجال. وعندما غادرت مصر إلى الولايات المتحدة لمتابعة الدراسات العليا عام 1960، كان رئيس قسم الجيولوجيا بجامعة الإسكندرية امرأة.

ونتج عن الفهم الخاطئ للدين والمتمثل بإقصاء النساء وتمثيلهم تمثيلا ناقصا، مشاركة أعداد كبيرة من الإناث في حركة تمرد. إذ أهمل الإخوان المسلمون حقيقة هي أن حرية التعبير يجب أن تشمل المساواة بين الرجال والنساء جنبا إلى جنب مع حرية البحث في العلوم والفنون. إن مؤسسات التعليم العالي هي الوصية على هذه الحقائق، ويجب أن يسمح فيها البحث والنقاش الحر. وضمان هذه الحرية في مؤسسات التعليم العالي في مصر يزيد من فرص المشاركة في التطورات العالمية في مجال العلوم والتكنولوجيا.

وكلما منح الشباب المصريون فرصة للتنافس، فإنهم سيقومون بذلك بكل عزم ودرجة معقولة من النجاح. لقد أتيحت لي الفرصة لتحكيم مسابقات بين الدول العربية لجوائز يونسكو للعلوم والنجوم من برنامج العلوم في مؤسسة قطر. سنة بعد سنة، تمتع المتنافسون المصريون بروح المبادرة، والروح الرياضية، والروح المستنيرة. وكانوا في كثير من الأحيان بين الفائزين. فإذا ما أتيحت لهم فرصة التعليم والتدريب المناسب، فإنه من الممكن أن يلعبوا دورا في زيادة المعرفة لصالح الإنسانية.

إن الشباب المصري يمثل قوة هائلة من أجل الخير إذا ما تم تعليمهم بشكل صحيح وتدريبهم في نظام منفتح ومتقدم تقنيا. لقد كانوا قادرين على حشد غالبية المواطنين لإسقاط حكومتين غير كفؤتين في غضون سنتين ونصف سنة. إذا سمح لها بالمشاركة والابتكار، يمكن لهؤلاء الشباب رفع بلادهم في عقد أو عقدين. لديهم الطاقة والاخلاص للقيام بهذه المهمة، كما فعل أسلافهم مرارا وتكرارا في جميع أنحاء مصر خلال 5000 سنة من التاريخ المذهل.

*فاروق الباز ولد في دلتا النيل، وهو مدير مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام