fbpx


الأركان السبعة لثورة المعرفة الجديدة

/ 24-01-2015

الأركان السبعة لثورة المعرفة الجديدة

مقدمة:

نتحرك بسرعة نحو مجتمع معرفي واقتصاد مرتكز على التكنولوجيا، ويترافق هذا التحول مع مظاهر للعولمة واضحة وموثقة جيدا. أتحدث هنا عن بنية وتقديم المعرفة وكيف، نحن البشر، من المرجح أن نتفاعل معها، سواء كنا أكاديميين أو باحثين أو ببساطة أحفاد أولئك الذين اعتادوا الذهاب الى المكتبات العامة وطلب المساعدة من أمين المكتبة للحصول على كتاب جيد للقراءة أو مرجع لبحث يعدونه للكلية.

إن ثورة المعرفة ستكون لها آثار عميقة على المؤسسات التعليمية من رياض الأطفال وصولا إلى ما بعد مستوى الدكتوراه، وعلى الأبحاث سواء كانت عامة أو خاصة، وعلى المؤسسات الثقافية التي تدعم بنية المعرفة مثل المكتبات والمحفوظات والمتاحف.

هذا ما أود أن أشير إليه تحت مسمى “ثورة المعرفة الجديدة”، وهو موضوع عالجته في مواقع أخرى بشكل مطول ومليء بالتفاصيل التقنية. إن ثورة المعرفة يمكن تشخيصها بسبعة خصائص رئيسية، والتي يحلو لي أن أسميها “أركان”، والتي سأشرحها بإيجاز هنا.. وهي:

• توزيع، الحياة والنظام

• الصورة والنص

• البشر والآلات

• التعقيد والفوضى

• الحساب والبحث

• التقارب والتحول

• تعدد التخصصات والسياسة

وهذا موجز لكل ركن من الأركان السبعة.

أولا: توزيع، الحياة والنظام

منذ بداية الزمن، سواء كنا نكتب على اللفائف أو على المخطوطات، سواء كانت هذه المخطوطات تتم طباعتها أو تُخَطُ باليد، فإن تراكم المعرفة استند إلى بنى موزعة على وحدات يصار إلى صفها جنبا إلى جنب مثلما يوضع الطوب في جدار يتم تشييدها. إن تجاور هذه الأعمال الفردية الموزعة كونت تراكم المعرفة.. والصرح المرتفع بني قطعة قطعة، لبنة لبنة وحجر حجر..

كل قطعة كانت “ميتة”.. وأقصد بذلك أنه بمجرد نشرها فإنها تبقى على حالها حتى صدور طبعة ثانية. وإذا كان لدى اثنين منا نفس الكتاب، يمكننا على سبيل المثال فتح صفحة 157 وإيجاد نفس الشيء تماما في نسخة كل منا. لم يتغير المضمون سواء فعلنا ذلك فور صدور الكتاب أو في وقت لاحق بعد عقود.

غير أن الانترنت غيّر كل ذلك..

وأضحت صفحة الويب وحدة للتوزيع. وبدلا من التسلسل الكلاسيكي للعرض، نفكر حاليا وفقا لتقسيمات الصفحة الرئيسية والروابط التشعبية المتعلقة بالوثائق ذات الصلة. ويمكننا أن نتوقع انسيابا أكبر في دمج الصورة، الثابتة والفيديو، والانتقال من رابط إلى آخر.

وعلى العكس من المواد المنشورة بطريقة تقليدية، تكمل محركات البحث المواد المنشورة، على شبكة الانترنت، لتصبح موادا حية. إذا بحثت اليوم عن صفحة على شبكة الإنترنت، وعدت للبحث مجددا عن نفس الصفحة بعد بضعة ساعات، فإنه من المحتمل أن تكون قد تغيرت، خصوصا وأنه يجري تحديث مستمر للمواد. وعلاوة على ذلك، ونحن نتحرك إلى أبعد من البنية الحالية لشبكة الإنترنت، نحو شبكة البيانات، حيث يمكننا البحث عن الصلات والمفاهيم وليس فقط الأشياء، فإن بنية التنظيم وعرض المعرفة تصبحان نسيجا كبيرا موحدا من المفاهيم المترابطة والنابضة بالحياة، والأفكار والحقائق التي تنمو بشكل كبير والتي تتطلب أساليب جديدة في التفكير للتفاعل معها. وسوف تُنتج تلقائيا أساليب جديدة في التفكير والعلم لن يتم توزيعها بعد الآن مثل الطوب في الجدار، وإنما ستكون أشبه بانسياب سلس لنهر متدفق.

إذا حاول أحدهم أن يأخذ بعين الاعتبار أيضا نشوء ظواهر الروابط الاجتماعية والتي جعلها الإنترنت والشبكة العنكبوتية ممكنة حاليا، يمكننا الآن تصور ما أسماه بعض المتخصصين بالـ”Meta-Web” أي (قاعدة بيانات مشتركة مفتوحة للمعرفة في العالم)، مع اتصال معرفة متطور وتواصل اجتماعي متطور. هل يرمز الـ”Meta-Web” إلى تبادل المعلومات؟

ثانيا: الصورة والنص

على مر التاريخ، كان النص الوسيلة الأساسية لنقل المعلومات. فقد كان إنتاج الصور وإعادة نسخها أمرا صعبا. لقد تغير ذلك.. ومع الثورة الرقمية، يمكن لكل شخص أن يلتقط الصور، سواء الثابتة أو الفيديو، وأصبحت الرسومات التي ينتجها الحاسوب في متناول الجميع.

يمكن للدماغ البشري أن يحلل المعلومات البصرية بسرعة لا تصدق. ويمكنه التقاط التفاصيل الهائلة وتحويلها في جزء من الثانية، فتظهر بعض الميزات الجديدة لثورة المعرفة الحالية بشكل وشيك. أحدها هو الاعتماد الكبير جدا على الصورة، بالإضافة إلى النص، في إيصال المعلومات والمعارف والأشكال المتغيرة للتخزين، وهذا الأمر يتطلب الانتقال من نص الكتاب إلى الصور الرقمية الثابتة والفيديو وكذلك الصور والعروض الثلاثية الأبعاد.

سيصبح التفاعل أيضا سمة من سمات الصورة القائمة في هذا العالم الجديد ذو الواقع الافتراضي. مرة أخرى، ماذا يعني ذلك من حيث العرض، ومن حيث وظائف البحث والإعادة، ومن حيث التفاعل بين الباحث والمادة في المستقبل؟

وماذا يعني ذلك بالنسبة لوصف فعالية قاعدة البيانات، التخزين، إمكانية البحث، الإعادة في هذا العالم الهائل والمتنامي من الصور والأفلام، الثابتة والتفاعلية؟ نحن لم نعد بحاجة للبحث عن الصور من خلال كلمات مفتاحية داخل قواعد البيانات النصية مثل قوائم البيانات: فالكمبيوتر سيقوم بذلك لأجلنا.

ثالثا: البشر والآلات

باستثناء الرياضيات البحتة وبعض جوانب الفلسفة، فإنه لن يكون من الممكن بالنسبة لأي إنسان البحث عن، أو العثور على، أو استرداد، ومن ثم التلاعب في أي مجال من مجالات المعرفة، بل وأقل من ذلك بكثير مثل نقل مساهمتهم الخاصة من دون اللجوء إلى الآلات. حتى في النقد الأدبي والعلوم الاجتماعية، إن مخزون مواد البحث لم يعد يمكن القيام به يدويا.

هذا ليس بالشيء الجيد أو السيء. هذا هو الحال فقط.

الآن، وبعد أن هزم البرنامج الخاص بلعبة الشطرنج والمسمى “ديب بلو”، من “آي بي إم”، بطل العالم غاري كاسباروف في الشطرنج عام 1997، هل يمكننا في الواقع أن نسأل، كما يفعل بعض أصحاب الرؤى، عما إذا كان “الوعي” و”الذكاء” ينبثقان من صفات الأنظمة المعقدة جدا؟

حسب البعض، سنشهد حدوث هذا مع الماكينات عندما تجتاز عتبات معينة من التعقيد والقوة، كما يحدث عندما يصل مستوى تحويل الطاقة إلى أحجام معينة، أو عندما تمر عقود تقريبا على البرمجيات المتقدمة بعد تجاوزها لمستويات معينة، والتي من المرجح أن تحدث في غضون النصف الأول من القرن 21.

ولكن ومهما كانت مزايا هذا النقاش بالتحديد وتشعباته، فمن الواضح أن التغييرات ملحوظة بالفعل في مجال المكتبات والإنترنت. وأحد الأمثلة المكتبة “الرقمية العالمية الجديدة”: يسمح نظامها برابط واحد للفيديو، الصور، النص، التعليق والخرائط في كيان سلس، بحيث يمكن البحث عن هذه المواد من خلال أساليب مختلفة (الوقت، والجغرافيا، والفكرة، كتلة، أو حتى كلمة واحدة)، وتصفحها والعثور على ما يحتاجه المرء من المواد الرقمية المقدمة من مختلف دول العالم.

رابعا: التعقيد والفوضى

نحن نعيش في عالم معقد بشكل ملحوظ. المعاملات الاجتماعية والاقتصادية للعالم الآخذ في العولمة معقدة جدا، مع النقر على فأرة الحاسوب وإعطاء الأمر للإلكترون، تتحرك مليارات من الدولارات حول الكوكب في سرعة الضوء. إن المعاملات المترابطة على شبكة الإنترنت هائلة، ويصعب التنبؤ بالآثار المتتالية لأي مجموعة من الإجراءات وتفاعلها فيما بينها ومع غيرها.

أصبحت مدننا ليس فقط أكبر ولكن أيضا أكثر تعقيدا، والنظم البيئية ليست حساسة فقط، وإنما في جوهرها معقدة جدا. كذلك هي النظم البيولوجية.

إن الواقع معقد وفوضوي، وهذا يعني أن لدى نشاطات الأنظمة المعقدة ردود فعل غير واضحة ينتج عنها أنظمة وأنظمة فرعية يصعب للغاية التنبؤ بها. يستند العديد من هذه النماذج على أسس الرياضيات وقياسات مستمدة من الفيزياء، تثبت ذلك بشكل كاف.

خامسا: الحاسوب والبحوث

حتى الآن، ينظر إلى الحوسبة عموما على أنها امتداد لآلة حساب كبيرة يمكنها القيام بعمليات حسابية بسرعة لا تصدق. علماء الكومبيوتر والمهندسين كانوا المنجزين الذين جعلوا حياة المبدعين والباحثين أقل مللا. أدوات رائعة، بلا شك، ولكنها مجرد أدوات متشابهة. اليوم، ستصبح مفاهيم وتقنيات الحاسوب جزءا أساسيا من نموذج البحث الجديد. أدوات ونظريات العلوم الحسابية ستحاك في نسيج من العلم والخبرة العلمية. تأمل إدارة البيانات. عند تنظيم البيانات تتحول إلى معلومات. وعند شرح المعلومات تصبح معرفة. بدوره، عندما تقترن المعرفة بالتفكير، والبصيرة، والخبرة تؤدي إلى حكمة، ولكن هذه قصة أخرى.

بعيدا عن حجم وضخامة جمع البيانات، نحن نبحث عن تواصل بين مجموعات البيانات. وهذه تثير مشكلات محددة تنطوي على قضايا مختلفة من حيث النوع. إن علم الكومبيوتر هو الاختصاص الذي يصار من خلاله إنجاز أغلب المهمات على هذا المستوى من المشاكل.

سادسا: التقارب والتحول

تتقارب الملكيات تدريجيا. بتعبير أبسط، ففي ذات مرة كان لدينا الكيمياء وعلم الأحياء كمؤسستين متميزتين ومنفصلتين، والآن لدينا الكيمياء الحيوية. مثل هذه اللحظات من الالتقاء التي تُولّد علوما جديدة ورؤى، تصبح إحدى أكثر اللحظات خصوبة لتطوير معرفتنا وتنمية تقنياتنا. نحن نشهد اليوم تقارب ثلاثة حقول منفصلة حتى الآن، مع ولادة BINT: السيرة الذاتية / معلومات / تكنولوجية نانو.

وفي نفس الوقت، نحن بحاجة إلى تطوير ما تسميه مؤسسة العلوم الطبيعية في الولايات المتحدة “البحوث التحويلية”. وهي البحوث القادرة على تغيير النموذج في بعض الحقول والمجالات مثل علم الأحياء الاصطناعي والكيمياء الفيزيائية. إن هذه الأبحاث قيمة للغاية. وهكذا شهدنا اكتشاف تركيبة وآلية الحمض النووي التي رفعت كل المجالات مثل علم الجينوم و تحليل البروتينات (دراسة البروتينات) والأيض (دراسة نواتج الأيض).

فهل تبقى مثل هذه التطورات صدفة أو تجبر أبحاثنا لنموذج منهجي على تطوير مثل هذه المجالات المتقاربة والرؤى التحولية؟ أعتقد أننا على وشك القيام بالخيار الثاني.

سابعا: تعدد التخصصات والسياسة

هناك قيمة حقيقية في تقاطع فروع المعرفة. على نحو متزايد، سواء في المؤسسة الأكاديمية وفي معالجة المشاكل الحياتية، نلاحظ أن صروح المعرفة القديمة عندما تعمل لوحدها تؤدي إلى نتائج عكسية. ويتم العمل الأكثر إثارة للاهتمام في فترات متباعدة بين هذه التخصصات، حيث تتقاطع أو توجد الفجوات.

وعلى نحو متزايد نتعرف أن مشكلات حياتنا الحقيقية، كالفقر، الجندرة أو البيئة كلها متعددة الأبعاد ومعقدة وتتطلب طريقة خاصة في تنظيم مداخلات التخصصات. تماما كما قلنا إن التنوع يغني كذلك تفعل مشاركة المعرفة بين مختلف التخصصات. إن طبيعة التحدي، حجمه وتعقيده، يتطلب أن يمتلك الناس خبرة تفاعلية لتحسين كفاءتهم في العمل عبر فروع المعرفة المتعددة وكذلك داخل منطقة جديدة متعددة التخصصات.

الخاتمة

لا بد للثورة المعرفية التي وصفتها أن تؤثر في جميع جوانب المؤسسات الثقافة والمعرفية في مجتمعاتنا. يجب إعادة النظر في مستويات التعليم من المدارس الابتدائية إلى ما بعد الدكتوراه لجهة المواد وأساليب التدريس والمشاركين والأماكن. بالفعل، يجري نشر تقنيات ثورية لدورات ضخمة مفتوحة على الانترنت (MOOCs). كما يلعب التعليم عن بعد والتعليم الذاتي دورا كبيرا على نحو متزايد، إضافة إلى التدريس في الفصول الدراسية التقليدية. كذلك سوف تتأثر طرق البحث وستفتح آفاقا جديدة في المختبرات الخاصة والعامة، فضلا عن الجامعات البحثية في كل مكان.

وستضطر المكتبات والمتاحف والمحفوظات إلى إعادة ابتكار أنفسهم لمواجهة التحديات الجديدة. باختصار، نحن على أعتاب تحول ثوري بكل ما يعنيه ذلك من اضطرابات في النظام القائم، وفتح آفاق جديدة واسعة وسع خيالنا.

إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية الحديثة منذ افتتاحها عام 2002،حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة القاهرة ودرجة الماجستير والدكتوراه من جامعة هارفارد. كما حصل على 33 دكتوراه فخرية.




لا ردوداكتب تعليقاً

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام