” نهضة محتملة” لإحياء الترجمة العربية

/ 24-01-2015

” نهضة محتملة” لإحياء الترجمة العربية

في عام 2003، وفي مؤشر يكثر استخدامه، رسم تقرير التنمية البشرية الخاص بالمنطقة العربية والذي تصدره الأمم المتحدة صورة قاتمة عن المشهد الثقافي والأكاديمي في هذه المنطقة. إذ وصف حركة الترجمة في البلدان العربية بأنها “فوضوية وثابتة”، مشيراً إلى أن “المجموع الكلي من الكتب المترجمة [إلى اللغة العربية] من عهد الخليفة المأمون إلى اليوم بلغ نحو 10 آلاف كتاب أي ما يعادل عدد الكتب المترجمة في إسبانيا في عام واحد فقط”.

بالطبع أثار هذا التقرير استياء الكثيرين في العالم العربي لاسيما بالعودة إلى تاريخ المنطقة: في الفترة ما بين القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر في بغداد، حيث اشتهر بيت الحكمة كمكتبة ومركز للترجمة والأبحاث التي تم جمعها والتعريف بها من مصادر يونانية وفارسية وهندية.

“يشير الجميع إلى هذا العصر الذهبي” قال أستاذ الأدب المقارن ودراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك فيليب كينيدي، “لأن هنالك هوة كبيرة في الوقت بين ذلك العصر والحاضر”. غير أن كينيدي، الذي يدرس في جامعة نيويورك أبو ظبي منذ افتتاحها عام 2008، رأى أن هناك ما يكفي من مشاريع الترجمة الجديدة التي تتم رعايتها في المنطقة في الآونة الأخيرة والتي يمكن أن يكون لها تأثير حقيقي.

ورغم أن الحكومات العربية نددت بتقرير الأمم المتحدة، إلا أنها وخاصة في منطقة الخليج قد استجابت له. فعلى سبيل المثال، أطلقت حكومة أبو ظبي، مشروع ” كلمة“، وهو المشروع الذي قام بترجمة 300 كتاب للغة العربية حتى الآن. كما أسس الكثيرون في الإمارات العربية المتحدة برامج خاصة للترجمة. وأنشأت قطر معهد الترجمة والترجمة الفورية في جميع المؤسسات الأكاديمية المعروفة باسم المدينة التعليمية التي أنشئت في الدوحة.

وإلى جانب مع الجهود الرامية إلى ترجمة الكتب المهمة إلى اللغة العربية، فإن هناك أيضا موجة كبيرة لترجمة الرواية العربية والشعر إلى اللغات الغربية لجعلها متاحة على نطاق أوسع.  كنيدي نفسه شارك في العديد من مشاريع الترجمة الطموحة. إذ قدم له معهد البحوث بجامعة نيويورك في أبو ظبي منحة لمدة خمس سنوات لتحرير مكتبة الأدب العربي والتي ستشمل نصوص الأدب العربي من عصر ما قبل الإسلام إلى بداية عصر الحداثة. بدأ كينيدي بتطوير فكرة السلسلة عندما بدأ بالعمل على إعداد المنهج الدراسي الجديد لجامعة نيويورك أبو ظبي.

“كان من المؤكد أن المواضيع المتصلة بالثقافات المختلفة والترجمة يمكن حدوثها هنا”، قال كينيدي.

في الغالب عمل معظم المترجمين من الأكاديميين على طبعات ثنائية اللغة، وكثيرون منهم يعملون على نصوص درسوها مطولاً وكانوا يتمنون أن يرونها مترجمة. يتم تنفيذ المشروع على مدى طويل، حيث سيتم تقديم النصوص باللغتين، كما أنه سيشمل في نهاية المطاف مئات من الكتب (يتوجب نشر نحو 35 كتاب في المرحلة الأولى من المنحة). يحلم كينيدي باليوم الذي يجد القراء فيه رفا كاملا من مجلدات المكتبة في المكتبات التجارية في الغرب.

إن رعاية الترجمة من وإلى اللغة العربية تتم من قبل دول خليجية صغيرة الحجم ولكنها غنية وترغب بالحصول على مواصفات إقليمية للتعليم العالي والثقافة. فحكومة أبو ظبي، بحسب كينيدي، تسعى ” لترك بصمة في العالم”.

إلا أن بعض المراقبين ينتقدون جهود الترجمة. ويعتقدون بعضهم “أنه تم إنفاق الكثير من الأموال لكن النتيجة كانت خجولة”، قالت سامية محرز، مديرة مركز دراسات الترجمة في الجامعة الأميركية في القاهرة والتي عقدت مؤخراً العديد من ورش العمل والمحاضرات والندوات حول سياسة وممارسة الترجمة.

المشكلة لا تتعلق بالخليج فقط، ففي مختلف البلدان العربية تتم رعاية برامج الترجمة الطويلة الأمد من قبل الحكومات، كما في المركز القومي للترجمة في مصر. إلا أن المشكلة تكمن في ضعف شبكات التوزيع. كتب المركز القومي للترجمة لا تتوفر إلا في محلات بيع الكتب المركزية في القاهرة. أيضا فإن هنالك ضعف في التنسيق بين برامج الترجمة المختلفة. وتتجنب المؤسسات الحكومية ترجمة الأعمال التي يمكن أن تعتبر مثيرة للجدل أو الهجومية. كما وأنه تم جهد قليل لقياس مدى استخدام الأعمال المترجمة وتأثيرها.

الحرمان من طرق أخرى لرؤية العالم:
وبالإضافة إلى ذلك، هنالك ترجمات قليلة جدا لمواضيع محددة من المعرفة. إذ تركز الحكومات والجامعات في المنطقة على مواكبة أحدث التطورات في العلوم التطبيقية والأساسية، والتي غالبا ما يتم تدريسها باللغة الأجنبية بكل الأحوال. في حين قال أكاديميون إن العلوم الاجتماعية لا تزال تدرس بناء على مناهج قديمة، مع قليل من التركيز، إذا لم يكن معدوما، على ترجمة أحدث التطورات في هذا المجال.

 يعني هذا، بالنسبة لمحرز، أن “الناس في مجال العلوم الاجتماعية في الجامعات الوطنية والتي يرتادها أحاديو اللغة محرومون من طرق أخرى لرؤية العالم والتفكير والحديث عن هذا الأمر.”

مؤخرا، عقدت ندوة في مركز دراسات الترجمة في الجامعة الأميركية في القاهرة لمواجهة هذا النقص. واختار أكاديميون في جامعات خاصة ناطقة باللغة الانكليزية  مجموعة مقالات حديثة بهدف إنشاء مجموعة (ترجمة العالم العربي: مختارات) والتي تمنح طلاب وأساتذة العلوم الاجتماعية فرصة للاطلاع على أحدث الأعمال العالمية الرائدة. وقد ترجم شريف يونس، أستاذ التاريخ في جامعة حلوان، هذه المقالات إلى اللغة العربية.

وأوضحت ريم سعد، اختصاصية علم الانسان وأستاذة باحثة في الجامعة الأميركية في القاهرة أن هذه المختارات كانت نتاج لقاءات الأساتذة مع زملائهم الأصغر سناً في الجامعات الوطنية. “الباحثون الشباب عطشى للمعرفة، ولكن ما يحتاجونه لمعرفة كيف يجيبون على أسئلتهم غير متوفر باللغة العربية”، قالت سعد، مضيفة أن “هناك الكثير من الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عليها من قبل المنهجيات والشروط الأكاديمية الحالية”.

وبالمثل، فإن مؤسسة المرأة والذاكرة، والتي تضم مجموعة من الأكاديمييات المصريات، قامت مؤخراً بترجمة نظرية الجندر المعاصرة (والغائبة إلى حد كبير بالمناهج الدراسية في الدول العربية) إلى اللغة العربية. كما قدمت المؤسسة سلسلة من المختارات يمكن استخدامها من قبل الأساتذة للتأكد من أن أصوات النساء واهتماماتهن ممثلة بشكل جيد في مختلف القطاعات الأكاديمية.

في ندوة في القاهرة، تحول النقاش بسرعة من الحاجة إلى الوصول إلى المنح الدراسية الدولية إلى الحديث عن عدم إنتاج المعرفة في المنطقة. “هناك فجوة بين المعرفة المنتجة حول العالم العربي والمعرفة المنتجة في العالم العربي”، أشارت سعد.

تميل الترجمة لأن تسير باتجاه واحد مع اللغات الأجنبية، وخاصة الإنكليزية والتي تجري الترجمة منها إلى العربية. إذ نادرا ما يتم العثور على منحة  دراسية مبتكرة باللغة العربية أوالمترجمة، وإن كانت هناك بعض المحاولات الجارية، مثل “نظرية  في العالم”، والذي تم تحريره من قبل الأساتذة أكاديميين: حسام أبو العلا، في جامعة هيوستن، وغاياتري شاكرافورتي من جامعة كولومبيا. وكان آخر عنوان للسلسلة “الجيران والشارع: القراءة من خلال المدينة العربية الحديثة” التي كتبها خالد زياده، وكانت عبارة عن خليط من مذكرات والتاريخ وعلم الإنسان والنظرية التي تقدم تحليلا أصليا للطبقات من التاريخ والثقافة التي تشكل مدينة بيروت.

الطلب على الأدب العربي:

يعتبر الأدب أحد ميادين الكتابة العربية الذي ازداد  الاهتمام به وصار إلى ترجمته في العقد الماضي. فحتى وقت قريب، كانت الجامعة الأميركية في القاهرة هي الناشر الوحيد المتخصص لدليل متميز عن الأدب العربي المترجم  في المنطقة.  من جهة أخرى، فإن عدداً قليلاً جداً من المترجمين المحترفين المتخصصين بالأدب يستطيعون العمل بدوام كامل.

“الآن، أصبح الناشرون يأتون إلينا”، قال همفري ديفيز، الحائز على جائزة مترجم بتقدير كبير، مضيفا “لقد تم إثبات أنه يمكن ترجمة الأدب العربي وبيعه، هنالك اهتمام به”.

كانت هجمات 11 سبتمبر/أيلول وتركيز وسائل الإعلام المفاجئ على العالم العربي سببا رئيسيا في خلق اهتمام متزايد في الكتابة من الشرق الأوسط، قال ديفيس، مضيفاً “عندما يتمعن الناس بوجهك، تبدأ بالرغبة بالفهم.. هناك مساحة فارغة يجب ملؤها”.

نقطة التحول الأخرى، هي النجاح العالمي لرواية “عمارة يعقوبيان” للروائي المصري علاء الأسواني عام 2002. الرواية التي تنسج بخطى سريعة الحياة المتداخلة لسكان مبنى بوسط القاهرة في إشارة إلى الفساد المستشري في سنوات حكم مبارك الأخيرة.

ترجم ديفيز “العبور للنجاح”  وساهم في جلب المزيد من القراء باللغة الانكليزية لأعمال الكاتب اللبناني الياس خوري والروائي المصري حمدي الجزار.  حالياً،  تعمل مؤسسة بلومزبري قطر للنشر، وهي مشروع مشترك بين دار النشر البريطانية ومؤسسة قطر، على نشر مجموعة واسعة من الأدب العربي المعاصر والتقارير والتعليقات السياسية المترجمة. وقد ساهمت الجائزة العالمية للرواية العربية، أو ما يسمى بوكر العربية، والتي أنشئت عام 2009، في خلق جمهور عالمي للرواية العربية. احتفلت “بيروت 39”، وهو مشروع تعاون تأسس عام 2010 بين مهرجان “هاي” البريطاني ومدينة بيروت كعاصمة عالمية من قبل منظمة اليونسكو للكتاب عام 2009 ومجلة بانيبال الأدبية والمجلس الثقافي البريطاني، بأعمال 39 كاتب عربي واعد تحت سن التاسعة والثلاثين.

حتى الآن، ما يزال هنالك قلق من أن الروايات العربية تلقى اهتماما كبيرا في إطار الأنثروبولوجية على العالم العربي، وليس بسبب جدارتها الأدبية. إذ لاحظ  النقاد الأدبيين وغيرهم من المراقبين أن العديد من الكتب التي لاقت اهتماما من “عمارة يعقوبيان” إلى “بنات الرياض” لرجاء الصانع تركز على الجوانب المحرمة في المجتمع العربي.

مارسيا لينكس كوالي، والتي أنشأت إضاءات عربية عبر مدونتها باللغة الانكليزية، كتبت ردا على استفسار من موقع “الفنار” بهذا الخصوص بقولها “إن الاهتمام بالأدب العربي انتقل من الاهتمام العام أو إثارة ما وراء الحجاب إلى معرفة الأخبار على حقيقتها”.

فبسبب الصراع في سوريا، على سبيل المثال، “هنالك كتب سورية عظيمة تلقى اهتماما أكبر مثل كتاب خالد خليفة “مديح الكراهية” وكتاب نهاد سيريس “الصمت والصخب”. ورغم ارتباطها الإخباري، قالت كوالي، إلا أن “الاهتمام المتزايد يعني الطلب أكثر على مترجمين محترفين وناشرين يهتمون بالقارئ العربي كما يعني تحولا كبيرا نحو حقيقة هي أن العرب يؤلفون كتبا”.

ولمكتبة الأدب العربي، قارب ديفيز على الانتهاء من ترجمة الطبعات المختلفة لكتاب (الساق على الساق في ما هو الفارياق) للكاتب اللبناني أحمد فارس الشدياق (1804-1887)، والذي يصفه بكونه “كتاب فريد من نوعه، وكأنه قبل ما بعد الحداثة حتى قبل وجود ما بعد الحداثة”. الكتاب الذي يعتبر معاديا لرجال الدين وللمرأة التقليدية يستخدم مفردات جنسية صريحة وكاملة من قوائم معجمية غريبة، يغير الصورة النمطية لقارئ حول ما يمكن أن يكون الكتاب العربي.

تقوم حاليا بعض دور النشر غير المتخصصة في الأدب العربي بتكليف مترجمين غير متخصصين لتقديم ترجمات لكتاب عرب. وتشير محرز إلى وجود “اتجاه جديد” في الترجمة الحديثة لـ”روبين كريسويل” والذي يقول إن رواية الكاتب المصري صنع الله إبراهيم “الرائحة” كسرت في وقت مبكر الحصار المفروض على الأدب العربي. في مرحلة ما، لم يكن الشعراء والكتاب العرب على علم بأن كتاباتهم ستتم ترجمتها لأي لغة أخرى، إلا أنه يمكن ملاحظة أن الأكاديمي المغربي عبد الفتاح كيليطو كثيرا ما كتب باللغتين العربية والفرنسية عن القضايا التاريخية والثقافية والسياسية المحيطة بالترجمة من وإلى اللغة العربية.

 لكن في كتابه “أتكلم جميع اللغات لكن باللغة العربية” الصادر مؤخرا عن دار نشر “أكت سود” الباريسية، يناقش كيليطو أنه ورغم ترجمة أعمال الكتاب العرب اليوم إلا أن المساهمة في الأدب العالمي ما  تزال قاصرة، متخلفة إلا أن هذا ليس كل شيء. فعندما يتم الترجمة عنك هذا يعني أن يكون معترف بك تماما”.

مصادر لمؤسسات ومراكز للترجمة في المنطقة العربية:

مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة

مدونة الأدب العربي (باللغة الانكليزية)

بانيبال

دار بلومزبري – مؤسسة قطر للنشر

مركز دراسات الترجمة في الجامعة الأميركية في القاهرة

الجائزة العالمية للرواية العربية

كلمة

مكتبة الأدب العربي- جامعة نيويورك أبو ظبي

ميدان

مؤسسة المرأة والذاكرة

ملاحظة المحرر: الرجاء مراسلتنا على العنوان التالي: [email protected] في حال وجود أي خيارات إضافية لروابط مشاريع أو مراكز للترجمة تعتقدون أنها تستحق أن تدرج ضمن قائمة المصادر ليصار إلى إضافتها.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام