نظام القبول الجامعي… وعواقب فرز الطلاب

/ 06-02-2017

نظام القبول الجامعي… وعواقب فرز الطلاب

أنهت دعاء دراستها الثانوية وقد حصلت على معدل 84.3 في امتحان التوجيهي (الثانوية العامة الأردنية)، وهي تأمل باستكمال دراسة المحاسبة التي تفوقت في دراستها خلال المرحلة الثانوية.

وكغيرها من الأردنيين، قدمت دعاء طلب الالتحاق بالجامعة وفق نظام مركزي يعرف باسم نظام القبول الموحد الذي يسمح للطلاب بالتقدم إلى ما يقارب 30 أفضلية مختلفة في الجامعات والاختصاصات. وضعت دعاء اختصاص المحاسبة على رأس قائمة خياراتها، وعلى الرغم من معرفتها بأن معدل امتحان التوجيهي قد لا يخولها تماما للالتحاق بالقسم الذي تريد إلا أن أملها لم ينقطع.

خيارها الثاني كان دراسة العلوم البصرية في الجامعة الأردنية للعلوم والتكنولوجيا نظرا لاهتمامها بمجالات العلوم والتقنيات.  وكان خيارها الثالث تعلم اللغة الكورية في الجامعة الأردنية بعدما أقنعها شقيقها أن الطلب في المستقبل في سوق العمل سيكون لصالح اللغات الأجنبية.

 وكانت قطاعات الأعمال، العلوم الصحية واللغات الأجنبية أيضا اختصاصات محتملة بالنسبة لدعاء التي قد تبدو خياراتها شبه عشوائية؛ غير أن تجربة دعاء تمثل إلى حد كبير تجربة العديد من الشباب في العالم العربي في كيفية اختيار مسارهم الأكاديمي والذي يحدد لاحقا مستقبل حياتهم بأكمله.

معظم الدول العربية، بما في ذلك مصر، المغرب، الأردن، سوريا، وتونس لديها نموذج مشابه لنظام القبول الجامعي المركزي والذي يعتمد بشكل حصري تقريبا على امتحانات الشهادة الثانوية لتحديد مجال الدراسة في الجامعات.

يدفع نظام القبول الجامعي المعتمد حاليا الشباب العربي، في عمر 18 عاماً، إلى اختيار تخصص جامعي لم يحصلوا على صف دراسي واحد حوله من قبل. لا يمتلك هؤلاء الطلاب فهم كبير للخيارات المهنية الخاصة بكل تخصص دراسي جامعي، إذ أنهم عادة لا يعرفون ماهية المواد التي يتم تدريسها في هذه الاختصاصات.

بالطبع الحديث عن أوجه القصور في عملية القبول هذه ليس بالأمر الجديد، ولكن إلى أن يتم التغيير الذي يسمح للشباب بمرونة أكبر لمعرفة ماذا وأين سيدرسون، يبقى هناك أمل ضئيل أن يتمكن التعليم العالي العربي من ملائمة احتياجات اقتصاده أو شبابه.

وعلى الرغم من أن معدل دعاء في امتحان التوجهي أعلى مما هو مطلوب لدراسة العلوم البصرية، إلا أنها درست اللغة الكورية- في رهان غير محسوم لأردنية- إذ لا يوجد الكثير من الشركات الكورية في البلاد. اعتقدت دعاء أن الجامعة حاولت ملء الشواغر المتوفرة في هذا القسم فألحقتها به. تخرجت دعاء من الجامعة العام الماضي، وبدأت تعليم اللغة العربية للأجانب، غالبيتهم من الكوريين، وبهذا وجدت فرصة لتوظيف اللغة الكورية في عملها الحالي. إلا أنها لا تزال تعتقد أن بإمكانها التميز في مجال المحاسبة الذي تمنت لو تمكنت من دراسته.

 فرز الطلاب

 هنالك الكثير من الطلاب العرب مثل دعاء، انخرطوا في دراسة تخصصات جامعية ليس لديهم اهتمام أو فهم كبير لها. فقط الطلاب ذوي المعدلات المرتفعة جدا في امتحان التوجهي يتمكنون من الالتحاق بالتخصصات لوظائف تعتبر مرغوبة كالطب، طب الأسنان والهندسة المعمارية.

في أحسن الأحوال، يلحق هذا النظام الطلاب في تخصصات بعيدة عن كفاءاتهم، وفي أسوأ الأحوال فإنه يخلق لديهم حالة استياء من النظام.

في مقابلات أجريتها بين عامي 2009 و2010 في دمشق، عبّر شاب سوري عن أسفه قائلا “كان يمكن أن أكون موظف بنك جيد لو سُمح لي بدارسة المحاسبة”. وفي المغرب شكت عائلات في مقال في صحيفة لوماتان (الصادرة باللغة الفرنسية) من حقيقة أن الأطفال في حاجة لمعدلات متقدمة جدا للالتحاق بتخصصات مرموقة في المعاهد الكبرى.

على المستوى الاجتماعي، يخلق نظام الفرز نوع من التراتبية الأكاديمية، مع وجود حدود دنيا واضحة جدا للقبول. هذه التراتبية متعارف عليها ومتاحة على شبكة الإنترنت في الأردن ومصر وسوريا. ويستوعب الطلاب العاديين وعائلاتهم هذه التراتبية كانعكاس لمكانة اجتماعية بحيث تصبح شرطا لتحقيق الذات. إذ يتعرض الطلاب لضغوط من قبل عائلاتهم ومجتمعهم المحيط في المدرسة للالتحاق فقط بالتخصصات المرموقة اجتماعيا حتى ولو كانوا مهتمين بالعلوم الاجتماعية والإنسانية.

وخلق نظام القبول مناخات لتوسيع أنظمة تعليم موازية، وازدهار الجامعات الخاصة وترك الجامعات الحكومية في موقف حرج بعيد في أغلب الأحيان ومنفصل عن الواقع الاقتصادي.

في أنظمة التعليم الموازية التي توجد الآن في سوريا، ومصر، والأردن يتم السماح للطلاب الذين لم يتم قبولهم في البرامج العامة التنافسية المدعومة من الدولة بالالتحاق بالتخصصات التي يرغبون فيها مقابل دفع رسوم مالية إضافية تستفيد منها الجامعات (للتعرف على نماذج من الرسوم التي تفرضها الجامعة الأردنية اضغط هنا). بالطبع، الطلاب القادرين على تسديد هذه الرسوم لديهم حرية أكبر للاختيار. إلا أن هذه الجامعات تغلق الباب بشكل غير عادل في وجه الطلاب غير القادرين على تسديد هذه الرسوم وتزيد من الاستياء الموجود في الأصل في العديد من الدول العربية.

 العديد من التربويين لا يدركون مدى اتساع هذا التفاوت. خلال البحث الذي أجريته، وجدت أن ما يقارب نصف المقاعد المتوفرة في بعض الجامعات يتم تخصيصها لطلاب التعليم الموازي مما يجعل التنافس على ما تبقى من المقاعد العامة المتبقية أكثر شراسة. وتظهر السجلات الداخلية لجامعة مرموقة في الأردن أنه تم قبول 3407 طالب في البرنامج الموازي في العام الدراسي 2012-2013، في حين تم قبول أكثر من ثلاثة آلاف و500 طالب من خلال لجنة القبول الموحد. (كما تم قبول 1400 طالب من خلال برامج القبول الاستثنائية أو كطلاب أجانب).

وتستفيد الجامعات الخاصة أيضا، وإن بصورة متفاوتة، من هذا النظام عبر السماح للطلاب بدراسة تخصصات مرموقة اجتماعيا وذات خيارات وظيفية أفضل على نفقتهم الخاصة.

 معاناة المجتمع

على المستوى الاجتماعي، يعني القبول المركزي أن أفضل وألمع الطلاب يميلون بشدة إلى دراسة الطب، الهندسة، وبعض العلوم الطبيعية. في حين يتجه الطلاب لدراسة العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية بدون حافز أكاديمي، مما يعني ترك الدول العربية من دون قادة تلقوا تعليما يركز على الكتابة والتحليل.

كما تحرم مركزية عملية القبول الجامعات من الاستقلالية، إذ كثيرا ما تجبر لجان القبول المركزي الجامعات على قبول عدد من الطلاب أكبر من طاقتهم الاستيعابية. في الوقت نفسه توجه انتقادات لوزارات التعليم أنفسها بسبب اكتظاظ الجامعات الحكومية بالطلاب.

تعتبر المشاكل المتأصلة في نظام القبول المركزي في الجامعات العربية معروفة منذ سنوات، كما أن بعض التغييرات في طريقها للتطبيق. وقد أعلن الأردن أنه وللمرة الأولى، سيتم قبول طلبات الطلاب الطامحين بدراسة الطب مباشرة من خلال كلية الطب خلال العام الحالي، إذ سيعتبر أي طالب حاصل على ما يزيد عن 85 في المئة مؤهلا  للتقدم بطلب للالتحاق بالكلية. ليتم قبول ما يقرب من 500 طالب وطالبة في السنة الأولى وإعطاء الفرصة لهم لاستكمال دراستهم.

هناك حاجة إلى إصلاحات إضافية. على أقل تقدير، يجب أن يتوفر الإرشاد المهني لطلاب المدارس الثانوية في الدول العربية فيما يخص الخيارات الوظيفية والمؤهلات الأكاديمية لمختلف التخصصات. كما يمكن للجان القبول اتخاذ قرارات أفضل من خلال التركيز على تقييم الطالب بناء على معدله في مواد متعلقة بالتخصص الذي يود دراسته عوضا عن اعتماد الدرجة النهائية فقط.

 في نهاية المطاف، يتطلب اقتصاد المعرفة مشاركة شباب ملتزم، ذكي ومتحمس في جميع قطاعات الاقتصاد. تحتاج الجامعات العربية إلى باحثين في العلوم والعلوم الإنسانية الاجتماعية. كما يحتاج الشباب العربي لأن يكون قادرا على اتخاذ قرارات مدروسة بشأن مساراته التعليمية والمهنية، وإلى حرية أكبر لاختيار اختصاصات تتناسب مع اهتماماته واستعداداته.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام