الشباب العربي: أجيال تبحث عن لغة

/ 03-02-2017

الشباب العربي: أجيال تبحث عن لغة

“لا أشعر أن لدي لغة أم،” قالت سارة الكامل، صحافية مصرية في الثالثة والعشرين من العمر. “ذهبت إلى مدرسة تعلم اللغة الانكليزية. لكن لم تكن الانكليزية لغتي الأولى، كما أن العربية لم تكن كذلك”.

 ولإثبات وجهة نظرها، استخدمت الكامل اللغتين العربية بلهجة مصرية والانكليزية في حديثها متنقلة بينهما بسلاسة كبيرة.

 إن استخدام ما يسمى “العربيزي”، أي استخدام مفردات اللغة العربية وكتابتها بالحروف والأرقام الانكليزية، ظاهرة شائعة اليوم في جميع أنحاء العالم العربي.  على “فيسبوك” وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي والدردشة، تخلى العديد من الشباب العربي عن لوحة المفاتيح العربية مفضلين استخدام الحروف الانكليزية للكتابة العربية. والخلط في الأحرف هو عنصر واحد في مشهد لغوي يزداد تعقيدا يوما بعد الآخر.

 اعتاد الناطقون باللغة العربية على ازدواجية اللسان، حيث يستخدمون لغتين متداخلتين: اللغة النحوية أو الفصحى، لغة القرآن والأدب والمشتركة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، واللغة العامية التي تختلف من عربي إلى آخر.

 وكحال العديد من العائلات العربية من الطبقة المتوسطة الذين يئسوا من تردي التعليم في المدارس الحكومية المكتظة، أرسل ذوي الكامل ابنتهم إلى مدارس لغات أجنبية خاصة. إذ أن التمكن من لغة أجنبية يَعِدُ بفرص عمل أفضل وبمكانة اجتماعية أرقى. “إذا وضعنا علامة أجنبية على شيء ما، فإن الناس مستعدون لدفع المزيد فيه لاعتقادهم بأنه أفضل” قالت الكامل.

 وبغض النظر عن ثقافتهم، لا يتقن الكثير من الشباب العربي اللغة العربية الفصحى أو المعاصرة، المستخدمة في الأدب والخطاب السياسي والديني والثقافي ونشرات الأخبار.  وبدلا من ذلك، يستخدم غالبيتهم، في البيت ومعظم الأماكن الأخرى، لهجاتهم المحلية. والعديد من خريجي الجامعات غير قادرين على كتابة رسالة رسمية أو إلقاء خطاب بلغة عربية صحيحة.

 تعتبر الجامعات الحكومية الدعامة الأساسية للتعليم في المنطقة، مستقطبةً أعدادا كبيرة من الشباب غير القادر على تسديد رسوم الجامعات الخاصة. وتعد اللغة العربية اللغة الاساسية للتدريس في معظم هذه الجامعات باستثناء بعض دول الخليج. إلا أن خريجي هذه الجامعات ينتهي بهم الأمر بعدم إتقانهم للغة العربية ولا للإنكليزية. في المقابل، تركز برامج الدراسات العليا، التي تحاول تحسين فرص عمل الخريجين، على تدريس اللغة الإنكليزية.

 في دول الخليج، حيث يتجاوز عدد العمالة الوافدة عدد المواطنين المحليين، تحولت اللغة الإنكليزية إلى لغة مشتركة الأمر الذي يزيد من المخاوف على فقدان اللغة العربية بشقيها الفصحى والعامية.

 في شمال إفريقيا فإن الوضع يبدو أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، إذ يتحدث الناس اللغة العربية واللغات البربرية التي حصلت مؤخرا فقط على الاعتراف القانوني. وتهيمن اللغة الفرنسية على الحياة الفكرية والعامة في العديد من الدول التي كانت تحت الانتداب الفرنسي بالرغم من اعتماد اللغة العربية في التعليم العام.

 فيما تتطور اللغة العربية بسرعة كبيرة مع التكنولوجيا الحديثة وارتفاع نسبة الالتحاق بالجامعات ومشاركة ملايين من الشباب في نقاش عام بسبب تزايد الاضطرابات السياسية، فإن النقاش المكثف يتركز حول ما تم ربحه وخسارته خلال هذه التحولات.

 ولكن هل اللغة العربية التي يتكلم بها الشباب اليوم، قواعدها غير سليمة، مليئة بالعامية وبالكلمات والتعابير الأجنبية الجديدة، تمثل تهديدا للتراث اللغوي والهوية الثقافية؟ أم هي تطور طبيعي للهجة حيوية في ظل العولمة؟

 دراسة العربية عقاب!!

 لا يتقن عديد من الشباب العرب اللغة العربية بسبب الطريقة التي تدرس بها. “أسلوب التدريس ومواد التعليم هي في الواقع شاقة وتجعل أي شخص يكره اللغة” قال عباس التونسي أستاذ اللغة العربية في مدرسة جورجتاون للعلاقات الدولية في قطر. ويتم تعليم الطلاب مقاطع سخيفة جدا ونصوصا ليس لها علاقة بحياتهم في هذا العصر الحديث، كما يطلب منهم “حفظ الشعر الذي لا يفهمونه”.

 وأحد الأسباب التي تجعل من تعليم اللغة العربية أمرا جافا ارتباطها بالمصادر الدينية، فالقرآن كتب باللغة الفصحى، والمسلمون في كل مكان يقرأونه بلغته الأصلية، ويعتقد كثيرون اللغة نفسها مقدسة.

 “انتقل الناس من قداسة الإسلام إلى قداسة  اللغة” قال التونسي.

 وينظر إلى نوعية أقسام اللغة العربية وكليات تدريب المعلمين (والتي لا تجذب عادة الطلاب المتفوقين) فقيرة.  “صف اللغة العربية هو بمثابة سجن أو عقاب”، قال التونسي ساخرا، مشيرا إلى أن المواد المستخدمة لتعليم اللغة العربية للأجانب تميل إلى أن تكون أكثر جاذبية.

 تختلف نتائج السياسات الحكومية لتعزيز تعليم اللغة العربية من بلد لآخر. ففي مصر، انعقدت لجنة حكومية لمعالجة المشكلة، وأوصت بالمزيد من ساعات تدريس القواعد.

 في المغرب، قامت السلطات بحملة “التعريب” للنظام التعليمي في الثمانينيات من القرن الماضي. وكانت النتيجة انقساما بين النخبة الناطقة بالفرنسية وبقية البلاد، قالت الصحافية في الشؤون الثقافية كنزة الصفريوي.

 “القضية أصبحت مسألة عدالة اجتماعية”، قالت الصفريوي. “اللغة الفرنسية هي لغة البرجوازية، ولغة الأعمال. غالبا ما يتم استبعاد أولئك الذين لا يتكلمون الفرنسية. إذا كان لديك شهادة من جامعة تعلم باللغة العربية فإنها يعتبر أقل قيمة من أي شهادة مماثلة باللغة الفرنسية”.

 في الخليج، حددت العديد من الجامعات اللغة الإنكليزية كلغة للتعليم، الأمر الذي تسبب بانتقادات من قبل الأهالي وبعض الأكاديميين الذين يخشون من تراجع اللغة العربية وما يمكن أن يتسببه ذلك من فقدان الثقافة المحلية.

 وعلى خلاف ما تقره سياستها في تقديم العديد من الدورات باللغة الانكليزية، قررت جامعة قطر تدريس معظم مواد إدارة الأعمال والقانون والعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية باللغة العربية.

 وفي دولة الإمارات، قام بعض وأولياء الأمور وأعضاء المجلس الاتحادي بدعوة الجامعات الاتحادية للعودة إلى التدريس باللغة العربية.

مخاوف من خسارة العربية

 القلق على ضياع اللغة العربية “أزمة مختلقة قليلا”، قال ، أستاذ في كلية الدراسات الشرقية في جامعة أكسفورد كلايف هولز، مضيفا أن “هنالك قلق من خسارة القدرة على استخدام اللغة العربية بطريقة احترافية نتيجة العولمة والتأثر بالغرب”.

 لا يقتصر الأمر على التحاق الشباب بمدارس اللغات الأجنبية، بل يتعداه إلى متابعة وسائل الإعلام وقنوات الترفيه باللغة الأجنبية عبر الانترنت والقنوات الفضائية.

 في الخليج العربي، حيث يحاط المواطنين المحليين “ببحر من الغرباء”، قال هولز، “يشعرون بأنهم يفقدون الاتصال مع جذورهم – بالرغم من أن جذورهم مرتبطة بلغة لا يتحدث بها أحد”. وأشار هولز إلى أنه تاريخياً، عدد قليل جداً من الناطقين بالعربية يعرفون القراءة والكتابة باللغة الفصحى (حيث مستويات محو الأمية منخفضة جدا في معظم البلدان العربية حتى القرن 20)، ولأن اللغة كانت دائما مفتوحة أمام التأثيرات الخارجية.

 وأضاف أنه منذ ألف سنة كان هناك كمية هائلة من الاقتراض إلى اللغة العربية من اليونانية. واليوم تضم اللغة العربية كلمات من الفارسية، التركية والعديد من اللغات الأوروبية.

 أحدث الكلمات الجديدة التي تم ابتكارها حديثا كأفعال لاستعمال موقع تويتر، على سبيل المثال، أصبحت جزء من تقليد طويل.

 “وضعت عولمة الاقتصاد اللغة العربية في مأزق”، قال هولز، مضيفا “لا يحتاج عدد كبير من المتعلمين اللغة العربية كلغة للعمل. لا يوجد مكسب اقتصادي من وراء اتقان اللغة الفصحى”.

 في المقابل، يعتقد آخرون بوجود حاجة لاتقان اللغة العربية. كان عباس التونسي يدرّس في الجامعة الأميركية في القاهرة، عندما بدأت بتقديم دروس متخصصة باللغة العربية بعد القيام بمسح لأرباب العمل في عام 2000 أكدوا فيه رغبتهم بتوظيف خريجين يتقنون اللغتين العربية إلى جانب الإنكليزية.

 في كلية جورجتاون للشؤون الخارجية في قطر، وضعت هيئة التدريس فصولا لتعليم اللغة العربية لما يسمى بـ “متحدثي التراث”، للطلاب العرب الذين مع ذلك لا يستطيعون الكتابة والتحدث بالعربية الفصحى.

 “لقد وجدنا أن العديد من طلابنا لا يستطيعون التواصل بالعربية” قال التونسي. “اعتقدنا أنه من المؤسف أن يكون خريجون في الشؤون الخارجية والعلوم السياسية غير قادرين على مساعدة بلادهم، إذا عملوا في وزارة الشؤون الخارجية، لإلقاء خطاب أو كتابة تقرير باللغة العربية”.

 وكانت قطر أيضا في طليعة الدول التي طورت النسخة العربية من تويتر. كما أطلقت دولة الإمارات العديد من المبادرات لتطوير استخدام اللغة في التعليم.

 “في العمل نستخدم جميعا اللغة الإنكليزية”، قالت سارة الكامل عن حالها وزميلاتها في مجالات مثل الإعلان، الصحافة والتمويل. إلا أن “الفصحى ما تزال تحظى بمكانة مرموقة.. عندما يكتب أحدهم شعرا بالفصحى، نشعر بالإعجاب الشديد ونتساءل هل حقا يستطيع ذلك؟”

 ثورة لغوية

 لا يوجد فارق كبير بين العامية والفصحى، إذ يمكن للناطقين باللغة العربية التنقل بين اللغتين بشكل فطري والتكيف مع سياقات وجماهير مختلفة. إذ تتشارك غالبية المفردات العامية مع الفصحى، إلا أن لكل لهجة أيضا شروطا خاصة بها، وأسلوب للنطق وطرق مختلفة لبناء الجمل.

 “العامية كانت دائما موجودة في الأفلام والشعر” قال محمد شعير محرر في مجلة “أخبار الادب”، مضيفا “لدينا تراث أدبي يتضمن العامية الموجودة دائما، إلا أن الشيء الوحيد هو الجرأة في كتابتها”.

 على نحو متزايد، كثيرون قاموا بهذه الخطوة الجريئة. كما ساهم الإعلام الجديد في تغيير توجهاتهم وزيادة استخدام العامية.

 في الخليج العربي، يعتبر برنامج “شاعر المليون” أكثر البرامج التلفزيونية شعبية وهو برنامج يعتمد التنافس بين الشباب المشارك لنظم وقراءة الشعر باللهجة العامية.

 وفي مصر، تنتشر العامية وتستخدم في كل البرامج التلفزيونية الحوارية، السياسية والفنية وحتى في المدونات.

 في الواقع، قال شعير بأن الانتفاضة ضد حسني مبارك بشرت بـ”ثورة لغوية” وترافقت معها. إذ كثيرا ما استخدمت العامية للسخرية من الخطاب الرسمي بشكل مباشر أو غير مباشر على المدونات، تويتر وفيسبوك وغيرها من الوسائل التي استخدمها الشباب للتواصل مع جمهور أوسع. حتى أن صحيفة معارضة معروفة كانت تصدر بالعامية.

 وللخروج من المأزق المتعلق بازدواجية اللسان، قال هولز يجب أن يكون “بقبول الكتابة بالطريقة التي يتم التكلم بها. وهذا من شأنه أن يكون جزءا هاما من الديموقراطية في العالم العربي. الرمزية الغامضة للفصحى لا تسمح بالتمكين”.

 أكد آخرون أن المشكلة ليست بالفصحى بحد ذاتها، وإنما بالطريقة التي يتم تدريسها بها.

 “لغة القوة تبدو متكلسة، معطوبة، مراوغة”، كتب شعير في مقال نشر في جريدة أخبار الأدب. أطلقت الثورة العنان للغة جديدة ساخرة “يرى البعض بأنها صادمة، ولكن هذا ضروري  لتخليص أنفسنا من الثقافة القومية الساذجة والكليشيهات”.

 اليوم، العامية تستخدم في كل مكان.. “حتى الأئمة يستخدمونها في خطبهم لتوضيح بعض النقاط” قال شعير، مضيفا أن “الرئيس (المصري) محمد مرسي يستخدم العامية ليظهر أنه واحد منا، قريب من الناس”.

 في المغرب، اقترح البعض تبني اللهجة المحلية (الدارِجة) كلغة رسمية.

رئيس التحرير السابق لمجلة “تيل كيل” الأسبوعية المغربية، أحمد بنشمسي يعتقد بأن” الدعوة لجعل اللغة الدارِجة لغة وطنية في المغرب ليست جريئة. الموضوع واضح، نحن بحاجة إلى إعطاء اللغة مكانها الصحيح وجعلها، تبدأ، في المدارس. التعليم، أولا وقبل أي شيء.. للغة العربية الفصحى!”

 وتخشى الصفريوي بأن الدعوات لاستخدام اللغة الدارِجة بشكل أوسع ما هي إلا شكل من أشكال الديماغوجية. ويعتقد الكثيرون أن اللغة  الفصحى ضرورية  للمحافظة على صلات مع التراث في المنطقة.

 “تبدو اللغة الفصحى بلا جدوى، وتستخدم للمراوغة وتجنب الحقيقة” قالت الصفريوي، لكنها في ذات الوقت لا تريد أن ترى المغاربة يفقدون “مفاتيح حضارة هائلة”.

 وبحسب التونسي فإن الناطقين باللغة العربية لا يحتاجون للاختيار بين اللغة الأجنبية ولغتهم الأم، أو بين اتقانهم للهجة ما والفصحى، مؤكدا أن الفارق بين الفصحى والعامية ليس كما يعتقد الكثيرون.

“يعتقد كل عربي أنه لا يتقن العربية بدرجة كافية” قال التونسي، مضيفا أنه خلال الانتفاضات الأخيرة، ظهرت الحاجة الملحة إلى التواصل لتتغلب على هذه التعقيدات. فقط عندما يعتقد الناس أنهم قادرون على التعبير عن أنفسهم باللغة العربية، من دون الخوف من الوقوع في الخطأ “عندها فقط يمكن أن تتطور اللغة”.

 بكل الأحوال، يجادل هولز، بأن هذه التحولات اللغوية لا يمكن إيقافها، واصفا إياه بأنها “مثل المد والجزر”.

 “عليك أن تعيش معها، تستوعبها وتتعامل معها. ويمكن النظر إليها بطريقة أكثر إيجابية”.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام