تعليم ريادة الأعمال: خطوة إلى الأمام وليس علاج

/ 06-02-2017

تعليم ريادة الأعمال: خطوة إلى الأمام وليس علاج

جالساً في مكتبه التجاري الجديد والواسع في حي راق وسط العاصمة المزدحمة، يقول مصطفى حمدان إنه لم يكمل بعد السنة الدراسية الأخيرة في الجامعة حيث تعلم أساسيات البدء في تأسيس مشروع تجاري.

واليوم يعتقد حمدان، الرئيس التنفيذي لشركة RecycloBekia التي تضم 24 موظفاً وتعمل في تدوير النفايات الإلكترونية، أن ريادة الأعمال هي مفتاح التنمية في مصر. ويؤكد أن البرنامج الذي شارك فيه في الجامعة والذي هدف إلى تشجيع الطلاب على تأسيس شركات خاصة بهم، كان أساسيا في مساعدته على تأسيس شركته. وكان حمدان وفريقه قد فازوا بمنافسة تجارية عقدتها الجامعة الحكومية التي يرتادونها تضمنت توجيهات حول كيفية النجاح في القطاع الخاص.

“لم يكن لدي أدنى فكرة عن أي شيء في مجال الأعمال التجارية”، يقول حمدان مشيراً إلى أنه استفاد أيضا كثيراً من المعلومات المتوفرة على شبكة الإنترنت. ويضيف قائلا “لو لم يعطني أحد الإلهام للبدء، لا أعتقد أنني كنت قد بدأت”. في عمر الـ22 ، يعتقد حمدان أن على الشباب التعلم عن ريادة الأعمال.

بداية  خجولة

على الرغم من محدودية انتشاره في الوقت الحاضر، فإن تعليم ريادة الأعمال في تزايد في بعض الجامعات الحكومية وكذلك الخاصة. وبالرغم من التحديات الكثيرة، فإن ريادة الأعمال تنمو بفضل مواقف الشباب الذين باتوا يتحولون من ثقافة الاعتماد إلى ثقافة التملك في مصر ما بعد الثورة.

“على المستوى الجامعي الحكومي، هذا مفهوم جديد جدا” تقول دينا المفتي، المدير التنفيذي لمؤسسة إنجاز مصر والتي تقوم بعرض برامج ريادة الأعمال – كالبرنامج الذي اشترك فيه حمدان وكان بداية نجاحه – في المدارس والجامعات على الصعيد الوطني. “أما في الجامعات الخاصة، فالمفهوم يزداد شعبية”.

تطور تعليم ريادة الأعمال على مستوى الجامعة على مدى السنوات الخمس الماضية، إذ غالباً ما ينظر إليه كحل للمشاكل المحيطة بالاقتصاد المصري ونظم التعليم البالية التي أصبحت بعيدة عن التطورات الحاصلة في المجتمع والمتمثلة مثلابالتحول من الصناعة إلى التكنولوجيا.

“التعليم في مصر لا يزال متخلفا”، تقول شاهيناز أحمد، الرئيس التنفيذي للتعليم من أجل التوظيف في مصر، وهي منظمة غير حكومية. “لذلك ليس لديه الإمكانية لإيجاد القدرات اللازمة لتحقيق النمو الصناعي والتنمية الاجتماعية، ولإجراء تغييرات مبتكرة”، كما تقول. “إن الحكومة والشباب والقطاع الخاص يعملون وفق عقليات مختلفة للغاية، وكأنهم يعيشون في عصور مختلفة من التاريخ ويتحدثون لغات مختلفة جدا”.

أدت الرغبة في تحقيق تغيير مستدام في بلد يتخرج من جامعاته 300 ألف طالب سنوياً – كثيرون منهم ممن ليس لديهم أي فرصة عمل – إلى إنشاء برنامج ريادة الأعمال والابتكار في الجامعة الأميركية في القاهرة (AUC) كلية إدارة الأعمال في تشرين الأول/أكتوبر 2010.

منذ بدء البرنامج في الجامعة الخاصة، شارك أكثر من 5000 شخص في برامج التوعية بريادة الأعمال، بحسب الإحصاءات التي قدمها شريف كامل، عميد كلية الأعمال. وأكثر من 2000 شاب وشابة تنافسوا في مسابقات الجامعة وتلقوا تدريباً في ريادة الأعمال وإدارة المشروعات الصغيرة. كما تدرب أكثر من 40 مدرب وأستاذ على كيفية تصميم وتقديم برامج تدريبية خاصة بريادة الأعمال.

ديفيد كيربي، العميد المؤسس لكلية إدارة الأعمال والاقتصاد والعلوم السياسية في الجامعة البريطانية في مصر، شهد أيضاً على الحاجة إلى التغيير عندما وصل إلى القاهرة في عام 2007.

“عندما تحدثت مع أصحاب العمل حول فرص التوظيف قالوا لي: ‘نحن لا نجد خريجين كفوئين'”، يقول كيربي، “ليس لأن الجامعات لا تقدم هؤلاء الخريجين ولكن لكونها لا تقدم النوع الصحيح منهم”.

“عادة ما يبحث أصحاب العمل عن موظفين خلاقين ومبدعين ولديهم القدرة على حل المشكلات، أشخاص يتبعون حدسهم الخاص ويمتلكون القدرة على العمل من تلقاء أنفسهم وضمن فريق”، يقول كيربي، مشيراً إلى أن هذه الخصائص هي منصفات رواد الأعمال.

ومع ذلك، يعتقد كيربي وكامل أنه لا يزال من السابق لأوانه قياس مدى نجاح هذا النوع من التعليم في مصر. الطلاب الذين خضعوا لدورات ريادة الأعمال في الجامعتين البريطانية والأميركية قاموا بتأسيس شركات، ولكن عددها ما يزال ضئيلا، بحسب كيربي.

ومع ذلك فهنالك إشارات نجاح للبرنامج، إذ قدم أكثر من 400 شاب أفكاراً لمسابقة “فكرتي” لأفكار الأعمال والمشروعات الوطنية 2012، والتي أقيمت برعاية كلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية بالقاهرة وبالتعاون مع شركة إنتل. أربعين في المئة من تلك الأفكار أصبحت الآن شركات مبتدئة في السوق، يقول كامل. وفي حين أن ليس كل هذه الشركات مسجلة رسمياً بعد، إلا أن مؤسسيها أكملوا وضع خطط الأعمال وقاموا بتعيين الموظفين ويبحثون الآن عن مصادر للتمويل.

ريادة الأعمال وإرادة التغيير

يبدو أيضا أن مواقف الشباب قد تغيرت في فترة ما بعد الثورة، والذي يمكن أن يكون سبباً جزئياً في زيادة عدد الشركات المبتدئة منذ قيام الثورة التي أطاحت بالدكتاتور حسني مبارك.

“إذا تتبعنا عدد المشاريع الناشئة التي انطلقت بعد كانون الثاني/يناير 2011، فإن العدد يبدو غير واقعي”، يقول كامل مضيفا “قد يبدو منطقياً أن يعتمد الناس خلال هذه الفترة سياسة الانتظار والترقب، ولكن هذا ليس هو الحال”.

قبل الثورة، كان الشباب الذين يمتلكون أفكاراً جيدة ينظرون للأوضاع من حولهم ويقولون “هناك من يهتم بنا” يقول كامل الذي يرى تنامي المشاعر بأن الوقت قد حان للتركيز على القطاع الخاص. مضيفاً “لكن بعد ذلك، الناس أصبح لديهم حس التمكين والتملك”.

وفي حين قد يكون هذا الأمر صحيحا، يشكك البعض في النتائج التي يمكن تحقيقها من تعليم ريادة الأعمال بسبب افتقار مصر إلى نظام ملائم للاستثمار.

“سؤالي هو: ما هي النتائج؟” يتساءل أحمد، من التعليم من أجل التوظيف، “كم من الأموال تصرف؟ وماذا ستحقق؟”

هادية حمدي، القائم بأعمال رئيس قسم الابتكار وريادة الأعمال في الجامعة الألمانية في القاهرة، وهي مؤسسة خاصة، تقول إن 10 في المئة فقط من إمكانات طلابها يتم الاستفادة منها، والسبب في ذلك يعود أولا للثقافة.

“حتى أولئك الذين يمتلكون أحلاما وطموحات كبيرة والإرادة لتغيير مسارهم، عادة ما يحبطون من قبل ذويهم وأسرهم ومن حولهم والذين لا يشجعونهم”، تقول حمدي والتي تعمل أيضاً كمستشارة لريادة الأعمال في مركز بداية لريادة الأعمالوتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهي جزء من الهيئة العامة المصرية للاستثمار والمناطق الحرة.

واجه حمدان، رئيس RecycloBekia، معارضة من والدته، التي رأت أنه لا يجب أن يضيع ابنها وقته بتأسيس شركته بل عليه استكمال سنته الأخيرة في الجامعة. يقول الخبراء إن الأهل يحاولون دفع أبنائهم بعيداً عن المخاطر المرتبطةبالعمل الحر ونحو الاستقرار، وأن العديد من الشباب يسعون أيضا لهذا الاستقرار، غالبا في الوظائف الحكومية.

من جهة أخرى، لا يتم تصوير رجال الأعمال بشكل إيجابي في وسائل الإعلام المصرية، إذ غالباً ما يتم إظهارهم كشخصيات فاسدة.

“نحن بحاجة للاحتفاء بالابتكار وريادة الأعمال، في وسائل الإعلام وفي الصحافة … أن نخبر الناس أن رجال الأعمال أناس طيبون”، يقول رامز محمد، الرئيس التنفيذي لـ Flat6Labs، والتي تقدم الدعم للشركات المبتدئة في مجال التكنولوجيالمواجهة تحديات الأسواق العالمية والمحلية.

وهذه ليست التحديات الوحيدة، بل هناك أيضا التحديات المرتبطة بالقوانين المختلفة والاجراءات البيروقراطية التي تزيد من صعوبة تأسيس الأعمال. من جهة أخرى، إغلاق شركة ما يحتاج إلى إجراءات مكثفة ومتعبة، فضلا عن صعوبات أخرى يمكن أن يواجهها رواد الأعمال في مصر، وفقا لمحمد.

ومع ذلك، فإن الاهتمام بتعليم الطلاب ريادة الأعمال ما زال ينمو، حتى في الجامعات الحكومية حيث التطور في هذا المجال يظل بطيئا نتيجة القيود الحكومية والإمكانات المالية المحدودة.

ويقوم أكاديميون مثل ريهام السعيدي، محاضرة في قسم إدارة الأعمال في كلية التجارة بجامعة عين شمس، جامعة حكومية، بالبحث عن بدائل في وقت تجري فيه تغييرات هيكلية وعلى صعيد المناهج الدراسية. وتقوم السعيدي مع مجموعة من الباحثين بتأسيس مركز لدعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتي تأمل أن يفتتح هذا الصيف.

“إن الطلاب لا يعرفون معنى ريادة الأعمال”، تقول السعيدي.

ولكن عدا عن الحصول على موافقة حكومية لتأسيس المركز، لا تقدم الحكومة أي نوع من الدعم له لذلك قد يعتمد المركز على الشراكات مع المنظمات غير الحكومية أو مجموعات الاتحادات الطلابية في تأسيسه، تقول السعيدي.

إلا أنه ليس من الواضح مدى فاعلية مثل هذه المراكز  خاصة وأن أنشطتها خارج المناهج الدراسية.

روح المبادرة ينبغي أن تسود المنظمة بأكملها، يقول كيربي من الجامعة البريطانية. “ليس من المفيد تعليم الطلاب كيف يكونون رواد أعمال في بيئة لا تدعم مشاريع الأعمال”.

في العام الماضي، افتتحت جامعة القاهرة، وهي مؤسسة حكومية، مركزاً لريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، رغم انطلاقته البطيئة بسبب مشاكل لوجستية وسياسية وقيادية، يقول محمد شحيب، أستاذ إدارة الأعمال ورئيس المركز. ما يزال تأثير المركز محدوداً ويقتصر على نشاطات مثل جلسة توعية حول ريادة الأعمال عقدت الأسبوع الماضي وطالت حوالي 200 طالب وطالبة.

“ندرك أهمية هذا القطاع” يقول شهيب، الذي يأمل في نهاية المطاف بتقديم شهادة في ريادة الأعمال، لكنه يدرك أن التغيرات بطيئة.

في الوقت نفسه، العديد من المنظمات ومنها إنجاز مصر تسعى لملء الفراغ من خلال تقديم دروس ريادة الأعمال، والمسابقات والفعاليات داخل الجامعات الحكومية.

وتعد الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID واحدة من تلك المجموعات، إذ يعتمد برنامجها العالمي لريادة الأعمال وهو مشروع بقيمة 2.5 مليون دولار يمتد لأكثر من عامين ونصف العام على تقديم المساعدة لأصحاب المشاريع للبدء، والنمو والوصول إلى التمويل. ومن المقرر تقديم مبلغ إضافي قيمته حوالي 1.5 مليون دولار لدعم مشاريع تعليم الريادة في عام 2013.

“تظهر الدراسات الاقتصادية فضلا عن الخبرة في الولايات المتحدة والعديد من البلدان الأخرى أن النمو السريع لرواد الأعمال يمكن أن يكون محركا رئيسيا لنمو الوظائف في البلاد”، تقول ماري أوت، مدير بعثة USAID، في رسالة عبر البريد الإلكتروني.

ولكن من أجل أن يحدث ذلك، فإن حمدان، الذي يقوم حاليا بتوجيه رواد الأعمال الناشئين، يرى بأن الشباب المصري بحاجة إلى الطموح أكثر من أي شيء. وهذا في الوقت الذي تستعد شركته لإرسال 16 طنا من النفايات الإلكترونية إلى ألمانيا،في إشارة واضحة إلى أن شركته آخذة في النمو. ويقول “إن تأسيس شركة ليس بالأمر السهل، عليك أن تكون صبورا”.




لا ردوداكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[Modal-Window id="5"]

What Others are Readingالأكثر قراءة

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام

arabic

Copyright © 2018 Al-Fanar Mediaحقوق © 2018 الفنار للإعلام